فهرس الكتاب

الصفحة 1680 من 4059

{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ(79)}

(ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ)

أَتَى بِلَفْظِ: ثُمَّ، الَّتِي هِيَ لِلْمُهْلَةِ تَعْظِيمًا لِهَذَا الْقَوْلِ، وَإِذَا انْتَفَى هَذَا الْقَوْلُ بَعْدَ الْمُهْلَةِ كَانَ انْتِفَاؤُهُ بِدُونِهَا أَوْلَى وَأَحْرَى، أَيْ: إِنَّ هَذَا الْإِيتَاءَ الْعَظِيمَ لَا يُجَامِعُ هَذَا الْقَوْلَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنْ هَذَا الْإِنْعَامِ الْعَظِيمِ.

(كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ)

عِبَادًا جَمْعُ عَبْدٍ. قال ابن عطية: ومن جُمُوعِهِ: عَبِيدٌ وَعِبَدَّى.

قَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هَذِهِ الْجُمُوعُ كُلُّهَا بِمَعْنًى.

وَقَالَ قَوْمٌ: الْعِبَادُ لِلَّهِ وَالْعَبِيدُ لِلْبَشَرِ.

وَقَالَ قَوْمٌ: الْعِبَدَّى إِنَّمَا يُقَالُ فِي الْعَبِيدِ بَنِي الْعَبِيدِ، كَأَنَّهُ مُبَالَغَةٌ تَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ فِي الْعُبُودِيَّةِ.

وَالَّذِي اسْتُقْرِئَتْ فِي لَفْظَةِ: الْعِبَادِ، أَنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، مَتَى سِيقَتِ اللَّفْظَةُ فِي مِضْمَارِ التَّرْفِيعِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الطَّاعَةِ دُونَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَعْنَى التَّحْقِيرِ وَتَصْغِيرِ الشَّأْنِ فَانْظُرْ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) و (عِبادٌ مُكْرَمُونَ) و (يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) وَقَوْلَ عِيسَى فِي مَعْنَى الشَّفَاعَةِ وَالتَّعْرِيضِ (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ) .

وَأَمَّا: الْعَبِيدُ، فَيُسْتَعْمَلُ فِي التَّحْقِيرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:

قُولَا لِدُودَانَ عَبِيدِ الْعَصَا ... مَا غَرَّكُمْ بِالْأَسَدِ الْبَاسِلِ

وَمِنْهُ قَوْلُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي، وَمِنْهُ (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) لِأَنَّهُ مَكَانُ تَشْقِيقٍ وَإِعْلَامٍ بِقِلَّةِ انْتِصَارِهِمْ وَمَقْدِرَتِهِمْ، وَأَنَّهُ تَعَالَى ليس بظلام لهم مَعَ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَتْ لَفْظَةُ الْعِبَادِ تَقْتَضِي الطَّاعَةَ، لَمْ يَقَعْ هُنَا، وَلِذَلِكَ أُنِسَ بِهَا فِي قَوْلِهِ:

(قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ النَّظَرِ يَسْلُكُ بِكَ سَبِيلَ الْعَجَائِبِ في حين فَصَاحَةِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْعَرَبِيَّةِ السَّلِيمَةِ، وَمَعْنَى قوله: (كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ) اعْبُدُونِي وَاجْعَلُونِي إِلَهًا. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَطِيَّةَ. وَفِيهِ بَعْضُ مُنَاقَشَةٍ.

وَأَمَّا (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فَحَسَّنَ مَجِيئَهُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقِيسًا أَنَّهُ جَاءَ لِتَوَاخِي الْفَوَاصِلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَهُ (أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) وَبَعْدَهُ (قالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ) فَحَسَّنَ مَجِيئَهُ بِلَفْظِ الْعَبِيدِ مُوَاخَاةُ هَاتَيْنِ الْفَاصِلَتَيْنِ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ ق: (وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) لِأَنَّ قَبْلَهُ قالَ (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) وَبَعْدَهُ (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)

وَأَمَّا مَدْلُولُهُ فَمَدْلُولُ: عِبَادٍ، سَوَاءً.

وَأَمَّا بَيْتُ امْرِئِ الْقَيْسِ فَلَمْ يُفْهَمِ التَّحْقِيرُ مِنْ لَفْظِ: عَبِيدٍ، إِنَّمَا فُهِمَ مِنْ إِضَافَتِهِمْ إِلَى الْعَصَا، وَمِنْ مَجْمُوعِ الْبَيْتِ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُ حَمْزَةَ إِنَّمَا فُهِمَ مِنْهُ مَعْنَى التَّحْقِيرِ مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَأَتَى فِي الْبَيْتِ، وَفِي وقل حَمْزَةَ عَلَى أَحَدِ الْجَائِزَيْنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت