هَذَا الْخِطَابُ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ بِاتِّقَاءِ الْفِتْنَةِ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِالظَّالِمِ بَلْ تَعُمُّ الصَّالِحَ وَالطَّالِحَ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا يُقِرُّوا الْمُنْكَرَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ.
فَفِي الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ وَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ.
وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»
وَقِيلَ الْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ.
وَقِيلَ لِأَهْلِ بَدْرٍ.
وَقِيلَ لِعَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ.
وَقِيلَ لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُسَمِّهِمَا.
وَالْفِتْنَةُ هُنَا الْقِتَالُ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ أَوِ الضَّلَالَةُ أَوْ عَدَمُ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ أَوْ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ أَوْ بِظُهُورِ الْبِدَعِ أَوِ الْعُقُوبَةُ أَقْوَالٌ.
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ يَوْمَ الْجَمَلِ: مَا عَلِمْتُ أَنَّا أُرِدْنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا الْيَوْمَ، وَمَا كُنْتُ أَظُنُّهَا إِلَّا فِيمَنْ خُوطِبَ بِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)
هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ (لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) إِذْ فِيهِ حَثٌّ عَلَى لُزُومِ الِاسْتِقَامَةِ خَوْفًا مِنْ عِقَابِ اللَّهِ.
لَا يُقَالُ كَيْفَ يُوصِلُ الرَّحِيمُ الْكَرِيمُ الْفِتْنَةَ وَالْعَذَابَ لِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ؟
(قُلْتُ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ بِحُكْمِ الْمَلِكِ كَمَا قَدْ يُنْزِلُ الْفَقْرَ وَالْمَرَضَ بِعَبْدِهِ ابْتِدَاءً فَيَحْسُنُ ذَلِكَ مِنْهُ، أَوْ لِأَنَّهُ عَلِمَ اشْتِمَالَ ذَلِكَ عَلَى مَزِيدِ ثَوَابٍ لِمَنْ أُوقِعَ بِهِ ذَلِكَ.