{وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) }
(وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى)
هَذَا خِطَابٌ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَغَلَبَ الْمُذَكَّرُ.
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خَاطَبَ تَعَالَى الْجَمِيعَ تَأَدُّبًا بِقَوْلِهِ: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) أَيْ: يَا جَمِيعَ النَّاسِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ فَقَطْ، وَقَالَهُ الشعبي، إذ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ فِي صَدْرِ الْآيَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الِالْتِفَاتِ، إِذْ رَجَعَ مِنْ ضَمِيرِ الْغَائِبِ، وَهُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِهِ، إِلَى الْخِطَابِ الَّذِي اسْتَفْتَحَ بِهِ صَدْرَ الْآيَةِ، وَكَوْنُ عَفْوِ الزَّوْجِ أَقْرَبَ لِلتَّقْوَى مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ كَسَرَ قَلْبَ مُطَلَّقَتِهِ، فَيَجْبُرُهَا بِدَفْعِ جَمِيعِ الصَّدَاقِ لَهَا، إِذْ كَانَ قَدْ فَاتَهَا مِنْهُ صُحْبَتُهُ، فَلَا يَفُوتُهَا مِنْهُ نِحْلَتُهُ، إِذْ لَا شَيْءَ أَصْعَبُ عَلَى النِّسَاءِ مِنَ الطَّلَاقِ، فَإِذَا بَذَلَ لَهَا جَمِيعَ الْمَهْرِ لَمْ تَيْأَسْ مِنْ رَدِّهَا إِلَيْهِ، وَاسْتَشْعَرَتْ مِنْ نَفْسِهَا أَنَّهُ مَرْغُوبٌ فِيهَا، فَانْجَبَرَتْ بِذَلِكَ.
قِيلَ: وَالْعَفْوُ أَقْرَبُ لِاتِّقَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ظُلْمَ صَاحِبِهِ.
وَقِيلَ: لِاتِّقَاءِ مَعَاصِي اللَّهِ.
(وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)
وَدَخَلَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ عَلَى سعد بن أبي وقاص، فَعَرَضَ عَلَيْهِ بِنْتًا لَهُ، فَتَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا خَرَجَ طَلَّقَهَا وَبَعَثَ إِلَيْهَا بِالصَّدَاقِ كَامِلًا، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَزَوَّجْتَهَا؟ فَقَالَ: عَرَضَهَا عَلَيَّ فَكَرِهْتُ رَدَّهُ.
قِيلَ: فَلِمَ بَعَثْتَ بِالصَّدَاقِ كَامِلًا؟ قَالَ: فَأَيْنَ الْفَضْلُ؟.
(إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
خَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُبْصَرَاتِ، لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْعَفْوِ مِنَ الْمُطَلَّقَاتِ وَالْمُطَلِّقِينَ، وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ شَطْرَ مَا قَبَضْنَ أَوْ يُكْمِلُونَ لَهُنَّ الصَّدَاقَ، هُوَ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ الْمَجِيءَ بِالصِّفَةِ الْمُتَعَلّقَةِ بِالْمُبْصِرَاتِ.
وَلَمَّا كَانَ آخِرُ قَوْلِهِ: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) الْآيَةَ قَوْلَهُ: (فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ) مِمَّا يُدْرَكُ بِلُطْفٍ وَخَفَاءٍ، خَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) وَفِي خَتْمِ هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وَعْدٌ جَمِيلٌ لِلْمُحْسِنِ وَحِرْمَانٌ لِغَيْرِ الْمُحْسِنِ.
(فائدة)
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَالَّتِي قَبْلَهَا أَنْوَاعًا مِنَ الْفَصَاحَةِ، وَضُرُوبًا مِنْ عِلْمِ الْبَيَانِ وَالْبَلَاغَةِ.
الْكِنَايَةَ فِي: أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، وَالتَّجْنِيسَ الْمُغَايِرَ، فِي: فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً، وَالطِّبَاقَ فِي: الْمُوسِعِ وَالْمُقْتِرِ، وَالتَّأْكِيدَ بِالْمَصْدَرَيْنِ في: متاعا وحقا، وَالِاخْتِصَاصَ: فِي: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنَ: التَّتْمِيمِ، لَمَّا قَالَ: حَقًّا، أَفْهَمَ الْإِيجَابَ، فَلَمَّا قَالَ:
عَلَى الْمُحْسِنِينَ، تَمَّمَ الْمَعْنَى، وَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّفَضُّلِ وَالْإِحْسَانِ لَا مِنْ بَابِ الْإِيجَابِ، فَلَمَّا قَالَ: عَلَى الْمُحْسِنِينَ تَمَّمَ التَّعْمِيمَ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّفَضُّلِ وَالْإِحْسَانِ، لَا مِنْ بَابِ الْإِيجَابِ وَالِالْتِفَاتَ: فِي: وَأَنْ تَعْفُوا، وَلَا تَنْسَوْا وَالْعُدُولَ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ فِي:
الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، عَبَّرَ عَنِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِالْعُقْدَةِ الَّتِي تُعْقَدُ حَقِيقَةً، لِمَا فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ مِنَ الِارْتِبَاطِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِالْآخَرِ.