لَمَّا ذَكَرَ وَعِيدَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَتِ السُّورَةُ قَدْ نزلت في المنافقين بدأ بهم فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ) وَلَمَّا ذُكِرَ أَمْرُ الْجِهَادِ، وَكَانَ الْكُفَّارُ غَيْرُ الْمُنَافِقِينَ أَشَدَّ شَكِيمَةً وَأَقْوَى أَسْبَابًا فِي الْقِتَالِ وَإِنْكَاءً بِتَصَدِّيهِمْ لِلْقِتَالِ.
قَالَ: (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) فَبَدَأَ بِهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: جَاهِدِ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ، وَالْمُنَافِقِينَ بِاللِّسَانِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: وَالْمُنَافِقِينَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ إِذَا تَعَاطَوْا أَسْبَابَهَا.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جَاهِدْهُمْ بِالْيَدِ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِاللِّسَانِ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِالْقَلْبِ، وَالِاكْفِرَارِ فِي وُجُوهِهِمْ، وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ فِي الْجِهَادَيْنِ.
وَالْغِلَظُ ضِدُّ الرِّقَّةِ، وَالْمُرَادُ خُشُونَةُ الْكَلَامِ وَتَعْجِيلُ الِانْتِقَامِ عَلَى خِلَافِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ. (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) وَكُلُّ مَنْ وَقَفَ مِنْهُ عَلَى فَسَادٍ فِي الْعَقَائِدِ، فَهَذَا حُكْمُهُ يُجَاهَدُ بِالْحُجَّةِ، وَيُسْتَعْمَلُ مَعَهُ الْغِلَظُ مَا أَمْكَنَ.