فهرس الكتاب

الصفحة 1107 من 4059

{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(223)}

شَبَّهَ الْجِمَاعَ بِالْحَرْثِ، إِذِ النُّطْفَةُ كَالْبَذْرِ، وَالرَّحِمُ كَالْأَرْضِ، وَالْوَلَدُ كَالنَّبَاتِ.

وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مضاف أي:

مَوْضِعُ حَرْثٍ لَكُمْ، وَهَذِهِ الْكِنَايَةُ فِي النِّكَاحِ مِنْ بَدِيعِ كِنَايَاتِ الْقُرْآنِ، قَالُوا: وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَأْكُلُ الطَّعامَ) وَمِثْلُ قَوْلِهِ: (وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها) عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَهُ بِالنِّسَاءِ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: حَرْثٌ لَكُمْ، بِمَعْنَى: مَحْرُوثَةٌ لَكُمْ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْمَصْدَرِ، وَيُرَادُ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ.

وَفِي لَفْظَةِ: (حَرْثٌ لَكُمْ) ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْقُبُلُ لَا الدُّبُرُ؟ قَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: أَيْ مُزْدَرَعٌ لَكُمْ، وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى النهي عن امتناع وطئ النِّسَاءِ، لِأَنَّ الْمُزْدَرَعَ إِذَا تُرِكَ ضَاعَ.

وَدَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْوَطْءِ لِطَلَبِ النَّسْلِ وَالْوَلَدِ، لَا لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَفَرَّقَ الرَّاغِبُ بَيْنَ الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ، فَقَالَ: الْحَرْثُ إِلْقَاءُ الْبَذْرِ وَتَهْيِئَةُ الْأَرْضِ، وَالزَّرْعُ مُرَاعَاتُهُ وَإِنْبَاتُهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) أَثْبَتَ لَهُمُ الْحَرْثَ وَنَفَى عَنْهُمُ الزَّرْعَ.

(فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)

الْإِتْيَانُ كِنَايَةٌ عَنِ الْوَطْءِ، وَجَاءَ: حَرْثٌ لَكُمْ، نَكِرَةً لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ الْمَجْهُولُ، فَأَفَادَتْ نِسْبَتُهُ إِلَى الْمُبْتَدَإِ جَوَازَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِ شَرْعًا، وَجَاءَ: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ) مَعْرِفَةً لِأَنَّ فِي الْإِضَافَةِ حَوَالَةً عَلَى شَيْءٍ سَبَقَ، وَاخْتِصَاصًا بِمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ: زَيْدٌ مَمْلُوكٌ لَكَ فَأَحْسِنْ إِلَى مَمْلُوكِكَ.

وَإِذَا تَقَدَّمَتْ نَكِرَةٌ، وَأَعَدْتَ اللَّفْظَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً: إِمَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، كَقَوْلِهِ: (فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) وَإِمَّا بِالْإِضَافَةِ كَهَذَا.

وَأَنَّى: بِمَعْنَى: كَيْفَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَزْلِ، وَتَرْكِ الْعَزْلِ.

قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، فَتَكُونُ الْكَيْفِيَّةُ مَقْصُورَةً عَلَى هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ، أَوْ بِمَعْنَى كَيْفَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي أَحْوَالِ الْمَرْأَةِ.

قَالَهُ عِكْرِمَةُ، وَالرَّبِيعُ، فَتَكُونُ دَلَّتْ عَلَى جَوَازِ الْوَطْءِ لِلْمَرْأَةِ. فِي أَيِّ حَالٍ شَاءَهَا الْوَاطِئُ مقبلة ومدبرة، عَلَى أَيِّ شِقٍّ، وَقَائِمَةً وَمُضْطَجِعَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَذَلِكَ فِي مَكَانِ الْحَرْثِ، أَوْ: بِمَعْنَى مَتَى؟ قَالَهُ الضَّحَّاكُ، فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ ظَرْفُ زَمَانٍ. وَيَكُونُ الْمَعْنَى: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ فِي أَيِّ زَمَانٍ أَرَدْتُمْ.

وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّى، بِمَعْنَى أَيْ، وَالْمَعْنَى عَلَى أَيِّ صِفَةٍ شِئْتُمْ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا تَخْيِيرًا فِي الْخِلَالِ وَالْهَيْئَةِ، أَيْ: أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ، وَقَدْ وَقَعَ هَذَا مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ذَلِكَ لَا يُبَالَى بِهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ» .

وَالصِّمَامُ رَأَسُ الْقَارُورَةِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ.

وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: أَنَّى، بِمَعْنَى: أَيْنَ؟ فَجَعَلَهَا مَكَانًا، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ إِبَاحَةُ ذَلِكَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَالِكٌ، وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي الْعُتَبِيَّةِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ تَكْفِيرُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَإِنْكَارُهُ.

وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إِنْكَارُ ذَلِكَ، وَسُئِلَ فَقِيلَ: يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تُبِيحُ إِتْيَانَ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ؟ فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) وَأَنَّى يَكُونُ الْحَرْثُ إِلَّا فِي مَوْضِعِ الْبَذْرِ؟

وَقَدْ رَوَى تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَا عَشَرَ صَحَابِيًّا بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، ذَكَرَهَا أَحْمَدُ فِي (مُسْنَدِهِ) وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُمْ وَقَدْ جَمَعَهَا أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ بِطُرُقِهَا فِي جُزْءٍ سَمَّاهُ (تَحْرِيمُ الْمَحَلِّ الْمَكْرُوهِ) .

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُعَرِّجَ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ عَلَى زَلَّةِ عَالِمٍ.

وَقَالَ أَيْضًا: أَنَّى شِئْتُمْ، مَعْنَاهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ: صَحَابَةٍ، وَتَابِعِينَ، وَأَئِمَّةٍ: مِنْ أَيِّ وَجْهٍ شِئْتُمْ، مَعْنَاهُ: مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً عَلَى جنب، وأنّى: إِنَّمَا يَجِيءُ سُؤَالًا وَإِخْبَارًا عَلَى أَمْرٍ لَهُ جِهَاتٌ، فَهِيَ أَعَمُّ فِي اللُّغَةِ مِنْ: كَيْفَ، وَمِنْ: أَيْنَ، وَمِنْ: مَتَى. هَذَا هُوَ الِاسْتِعْمَالُ الْعَرَبِيُّ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَقَوْلُهُ: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) تَمْثِيلٌ، أَيْ فَأْتُوهُنَّ كَمَا تَأْتُونَ أَرَاضِيكُمُ الَّتِي تُرِيدُونَ أَنْ تَحْرُثُوهَا، مِنْ أَيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ، لَا تُحْظَرُ عَلَيْكُمْ جِهَةٌ دُونِ جِهَةِ، وَالْمَعْنَى: جَامِعُوهُنَّ مِنْ أَيِّ شِقٍّ أَرَدْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْتَى وَاحِدًا، وَهُوَ مَوْضِعُ الْحَرْثِ.

وَقَوْلُهُ: (هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ) (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) مِنَ الْكِنَايَاتِ اللَّطِيفَةِ، وَالتَّعَرُّضَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، فَهَذِهِ وَأَشْبَاهُهَا فِي كَلَامِ لله تَعَالَى آدَابٌ حَسَنَةٌ، عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَعَلَّمُوهَا وَيَتَأَدَّبُوا بِهَا، وَيَتَكَلَّفُوا مِثْلَهَا فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ وَمُكَاتَبَاتِهِمْ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ حَسَنٌ.

(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)

أَيْ: بِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى وَصْفِ الَّذِي بِهِ يُتَّقَى اللَّهُ وَيُقَدِّمُ الْخَيْرَ، وَيَسْتَحِقُّ التَّبْشِيرَ، وَهُوَ الْإِيمَانُ.

وَفِي أَمْرِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم بِالتَّبْشِيرِ تَأْنِيسٌ عَظِيمٌ وَوَعْدٌ كَرِيمٌ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ، وَلَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ، بَلْ أَتَى بِالظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَى الْوَصْفِ، وَلِكَوْنِهِ مَعَ ذَلِكَ فَصْلَ آيَةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت