فهرس الكتاب

الصفحة 2480 من 4059

{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ... (48) }

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَنْزَلَهَا عَلَيْهِ لِاشْتِرَاكِ كُلِّهِمْ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى مُوسَى، فَتَرَكَ ذِكْرَهُ لِلْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ عِيسَى وَأَنَّهُ آتَاهُ الْإِنْجِيلَ، فَذَكَرَهُ لِيُقِرُّوا أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَنْبِيَاءِ، إِذِ الْيَهُودُ تُنْكِرُ نُبُوَّتَهُ، وَإِذَا أَنْكَرَتْهُ أَنْكَرَتْ كِتَابَهُ، فَنَصَّ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى كِتَابِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ الْكِتَابَ، وَمَنْ أَنْزَلَهُ مُقَرِّرًا لِنُبُوَّتِهِ وَكِتَابِهِ، لِأَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ وَكِتَابَهُ.

وَجَاءَ هُنَا ذِكْرُ الْمُنَزَّلِ إِلَيْهِ بِكَافِ الْخِطَابِ، لِأَنَّهُ أَنَصُّ عَلَى الْمَقْصُودِ.

وَكَثِيرًا مَا جَاءَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الْخِطَابِ لِأَنَّهُ لَا يُلْبِسُ ألْبَتَّةَ وبالحق: مُلْتَبِسًا بِالْحَقِّ وَمُصَاحِبًا لَهُ لَا يُفَارِقُهُ، لَمَّا كَانَ مُتَضَمِّنًا حَقَائِقَ الْأُمُورِ، فَكَأَنَّهُ نَزَلَ بِهَا.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بـ (أَنْزَلْنَا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ بِأَنْ حَقَّ ذَلِكَ، لَا أَنَّهُ وَجَبَ عَلَى اللَّهِ، لَكِنَّهُ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ.

وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْكِتَابِ لِلْعَهْدِ وَهُوَ الْقُرْآنُ بِلَا خِلَافٍ.

وَانْتُصِبَ (مُصَدِّقًا) عَلَى الْحَالِ (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ: لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْكِتَابِ. الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ جِنْسَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكِتَابِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ نَوْعٌ مَعْلُومٌ مِنْهُ، وَهُوَ مَا أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ سِوَى الْقُرْآنِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ الصِّفَةِ، وَأَنَّهَا حُذِفَتْ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنَ الْكِتَابِ الإلهي.

وَفِي الثَّانِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، لِأَنَّ الْعَهْدَ فِي الِاسْمِ يَتَضَمَّنُ الِاسْمُ بِهِ جَمِيعَ الصِّفَاتِ الَّتِي لِلِاسْمِ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ حَذْفٍ.

(وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)

أَيْ أَمِينًا عَلَيْهِ.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ، فَمَا أَخْبَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَنْ كِتَابِهِمْ فَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ فَصَدِّقُوا، وَإِلَّا فَكَذِّبُوا.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَاهِدًا.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُصَدِّقًا عَلَى مَا أَخْبَرَ مِنَ الْكُتُبِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.

وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْمُهَيْمِنُ هُوَ الرَّقِيبُ الْحَافِظُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ:

إِنَّ الْكِتَابَ مُهَيْمِنٌ لِنَبِيِّنَا ... وَالْحَقُّ يَعْرِفُهُ ذَوُو الْأَلْبَابِ

وَحَكَاهُ الزَّجَّاجُ، وَبِهِ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَالَ: وَمُهَيْمِنًا رَقِيبًا عَلَى سَائِرِ الْكُتُبِ، لِأَنَّهُ يَشْهَدُ لَهَا بِالصِّحَّةِ وَالْبَيَانِ انْتَهَى.

وَقَالَ الشَّاعِرُ:

مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ ... لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ

فُسِّرَ بِالْحَافِظِ، وَهَذَا فِي صِفَاتِ اللَّهِ.

وَأَمَّا فِي الْقُرْآنِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ حَافِظٌ لِلدِّينِ وَالْأَحْكَامِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَيْضًا: مَعْنَاهُ قَاضِيًا.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ أَيْضًا: مَعْنَاهُ دَالًّا.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَدْ ذَكَرَ أَقْوَالًا أَنَّهُ شَاهِدٌ، وَأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، وَأَنَّهُ مُصَدِّقٌ، وَأَنَّهُ أَمِينٌ، وَأَنَّهُ رَقِيبٌ.

قَالَ:

وَلَفْظَةُ الْمُهَيْمِنِ أَخَصُّ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، لِأَنَّ الْمُهَيْمِنَ عَلَى الشَّيْءِ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِأَمْرِهِ الشَّاهِدُ عَلَى حَقَائِقِهِ الْحَافِظُ لِحَامِلِهِ، فَلَا يُدْخِلُ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَالْقُرْآنُ جَعَلَهُ اللَّهُ مُهَيْمِنًا عَلَى الْكُتُبِ يَشْهَدُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْحَقَائِقِ وَعَلَى مَا نَسَبَهُ الْمُحَرِّفُونَ إِلَيْهَا، فَيُصَحِّحُ الْحَقَائِقَ وَيُبْطِلُ التَّحْرِيفَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت