وَالْوَاحِدُ الْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ النَّظِيرِ، أَوِ الْقَدِيمِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي الْأَزَلِ شَيْءٌ، أَوِ الَّذِي لَا أَبْعَاضَ لَهُ وَلَا أَجْزَاءَ، أَوِ الْمُتَوَحِّدُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِبَادَةِ.
أَقْوَالٌ أَرْبَعَةٌ أَظْهَرُهَا الْأَوَّلُ. تَقُولُ: فُلَانٌ وَاحِدٌ فِي عَصْرِهِ، أَيْ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى هُنَا بِوَاحِدٍ مَبْدَأَ الْعَدَدِ.
(لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ)
تَوْكِيدٌ لِمَعْنَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَنَفْيُ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ. وَهِيَ جُمْلَةٌ جَاءَتْ لِنَفْيِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ الْآلِهَةِ، ثُمَّ حَصَرَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَدَلَّتِ الْآيَةُ الْأُولَى عَلَى نِسْبَةِ الْوَاحِدِيَّةِ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَدَلَّتِ الثَّانِيَةُ عَلَى حَصْرِ الْإِلَهِيَّةِ فِيهِ مِنَ اللَّفْظِ النَّاصِّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ الْأَوْلَى تَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ لَهُ الْوَاحِدِيَّةُ ثَبَتَتْ لَهُ الإلهية.
(الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ)
ذَكَرَ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مُنَبِّهًا بِهِمَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْعِبَادَةِ لَهُ، لِأَنَّ مِنَ ابْتَدَأَكَ بِالرَّحْمَةِ إِنْشَاءً بَشَرًا سَوِيًّا عَاقِلًا وَتَرْبِيَةً فِي دَارِ الدُّنْيَا مَوْعُودًا الْوَعْدَ الصِّدْقِ بِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ فِي الْآخِرَةِ، جَدِيرٌ بِعِبَادَتِكَ لَهُ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَأَطْمَعَكَ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ فِي سِعَةِ رَحْمَتِهِ.
وَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَقِيبَ آيَةٍ مَخْتُومَةٍ بِاللَّعْنَةِ وَالْعَذَابِ لِمَنْ مَاتَ غَيْرَ مُوَحِّدٍ لَهُ تَعَالَى، إِذْ غَالِبُ الْقُرْآنِ أَنَّهُ إِذَا ذُكِرَتْ آيَةُ عَذَابٍ، ذُكِرَتْ آيَةُ رَحْمَةٍ، وَإِذَا ذُكِرَتْ آيَةُ رَحْمَةٍ، ذُكِرَتْ آيَةُ عَذَابٍ.