فهرس الكتاب

الصفحة 3708 من 4059

{وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) }

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) مَا بَالُ سَاقَتَيْ قِصَّةِ عَادٍ وَقِصَّةِ مَدْيَنَ جَاءَتَا بِالْوَاوِ وَالسَّاقَتَانِ الْوَسَطِيَّانِ بِالْفَاءِ؟

(قُلْتُ) قَدْ وَقَعَتِ الْوَسَطِيَّانِ بَعْدَ ذِكْرِ الْوَعْدِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) (ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) فَجِيءَ بِالْفَاءِ الَّتِي لِلتَّسَبُّبِ كَمَا تَقُولُ:

وَعَدْتُهُ فَلَمَّا جَاءَ الْمِيعَادُ كَانَ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَأَمَّا الْأُخْرَيَانِ فَلَمْ يَقَعَا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتَا مُبْتَدَأَتَيْنِ، فَكَانَ حَقُّهُمَا أَنْ يُعْطَفَا بِحَرْفِ الْجَمْعِ عَلَى مَا قَبْلَهُمَا، كَمَا تُعْطَفُ قِصَّةٌ عَلَى قِصَّةٍ انْتَهَى.

وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا) إِلَى قَوْلِهِ (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا) .

وقرأ السلمي وأبو حَيْوَةَ: (كَمَا بَعِدَتْ) بِضَمِّ الْعَيْنِ مِنَ الْبُعْدِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْقُرْبِ، وَالْجُمْهُورُ بِكَسْرِهَا، أَرَادَتِ الْعَرَبُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْبُعْدِ مِنْ جِهَةِ الْهَلَاكِ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَغَيَّرُوا الْبِنَاءَ

وَقِرَاءَةُ السُّلَمِيِّ جَاءَتْ على الأصل اعتبار المعنى الْبُعْدِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ كَمَا يُقَالُ: ذَهَبَ فُلَانٌ، وَمَضَى فِي مَعْنَى الْقُرْبِ.

وقيل: معناه بُعْدًا لهم مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ كَمَا بَعُدَتْ ثَمُودُ مِنْهَا.

وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَعِد يَبْعَد بَعَداً إِذَا كَانَ بُعْدُهُ هَلَكَةً، بَعُدَ يَبْعُدُ إذا [نأى] .

وَقَالَ النَّحَّاسُ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا وَبَعَدًا إِذَا هَلَكَ.

وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: بَعُدَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَبَعِدَ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً.

وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يُسَوِّي بَيْنَ الْهَلَاكِ وَالْبُعْدِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْقُرْبِ، فَيَقُولُ فِيهِمَا بَعُدَ يَبْعُدُ، وَبَعِدَ يَبْعُدُ.

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الرَّيْبِ: فِي بَعُدَ بِمَعْنَى هَلَكَ:

يَقُولُونَ لَا تبعدوهم يَدْفِنُونَنِي ... وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إلا مكانيا

وبعد الفلان دُعَاءٌ عَلَيْهِ، وَلَا يُدْعَى بِهِ إِلَّا عَلَى مُبْغَضٍ كَقَوْلِكَ: سُحْقًا لِلْكَافِرِينَ.

وَقَالَ أَهْلُ عِلْمِ الْبَيَانِ: لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ اسْتِطْرَادٌ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ، وَالِاسْتِطْرَادُ قَالُوا: هُوَ أَنْ تَمْدَحَ شَيْئًا أَوْ تَذُمَّهُ، ثُمَّ تَأْتِي فِي آخِرِ الْكَلَامِ بِشَيْءٍ هُوَ غَرَضُكَ فِي أَوَّلِهِ.

قَالَ حَسَّانُ:

إِنْ كُنْتِ كَاذِبَةَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي ... فنجوت منجى الحرث بْنِ هِشَامِ

تَرَكَ الْأَحِبَّةَ أَنْ يُقَاتِلَ دُونَهُمْ ... وَنَجَا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ وَلِجَامِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت