مَعْنَى نُمْلِي: نُمْهِلُ وَنَمُدُّ فِي الْعُمْرِ.
وَظَاهِرُ الَّذِينَ كَفَرُوا الْعُمُومُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُنَافِقِينَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: فِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أَعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أَبَدًا، وَلَيْسَتْ فِي كُلِّ كَافِرٍ، إِذْ قَدْ يَكُونُ الْإِمْلَاءُ مِمَّا يُدْخِلُهُ فِي الْإِيمَانِ، فَيَكُونُ أَحْسَنَ لَهُ.
وَقَالَ مَكِّيٌّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَعَانِي.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الرَّدُّ عَلَى الْكُفَّارِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ كَوْنَنَا ظَاهِرِينَ مُمَوَّلِينَ أَصِحَّةً دَلِيلٌ عَلَى رِضَا اللَّهِ بِحَالِنَا وَاسْتِقَامَةِ طَرِيقَتِنَا عِنْدَهُ. وَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ ذَلِكَ التَّأْخِيرَ وَالْإِهْمَالَ إِنَّمَا هُوَ إِمْلَاءٌ وَاسْتِدْرَاجٌ لِتَكْثِيرِ الْآثَامِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا مِنْ نَفْسٍ بَرَّةٍ وَلَا فَاجِرَةٍ إِلَّا وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهَا أَمَّا الْبَرَّةُ فَلْتُسْرِعْ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ.
وَقَرَأَ: (وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ)
وَأَمَّا الْفَاجِرَةُ فَلِئَلَّا تَزْدَادَ إِثْمًا.
وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ انْتَهَى.
(فائدة)
وَوَصَفَ تَعَالَى عَذَابَهُ فِي مَقَاطِعِ هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ: بِعَظِيمٍ، وَأَلِيمٍ، وَمَهِينٍ. وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُنَاسَبَةٌ تَقْتَضِي خَتْمَ الْآيَةِ بِهَا. أَمَّا الْأُولَى فَإِنَّ الْمُسَارَعَةَ فِي الشَّيْءِ وَالْمُبَادَرَةَ فِي تَحْصِيلِهِ وَالتَّحَلِّي بِهِ يَقْتَضِي جَلَالَةَ مَا سُورِعَ فِيهِ، وَأَنَّهُ مِنَ النَّفَاسَةِ وَالْعِظَمِ بِحَيْثُ يَتَسَابَقُ فِيهِ، فَخُتِمَتِ الْآيَةُ بِعِظَمِ الثَّوَابِ وَهُوَ جَزَاؤُهُمْ عَلَى الْمُسَارَعَةِ فِي الْكُفْرِ إِشْعَارًا بِخَسَاسَةِ مَا سَابَقُوا فِيهِ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهَا اشْتِرَاءَ الْكُفْرِ بِالْإِيمَانِ، وَمِنْ عَادَةِ الْمُشْتَرِي الِاغْتِبَاطُ بِمَا اشْتَرَاهُ وَالسُّرُورُ بِهِ وَالْفَرَحُ، فَخُتِمَتِ الْآيَةُ لِأَنَّ صَفْقَتَهُ خَسِرَتْ بِأَلَمِ الْعَذَابِ، كَمَا يَجِدُهُ الْمُشْتَرِي الْمَغْبُونُ فِي تِجَارَتِهِ.
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْإِمْلَاءَ وَهُوَ الْإِمْتَاعُ بِالْمَالِ وَالْبَنِينِ وَالصِّحَّةِ وَكَانَ هَذَا الْإِمْتَاعُ سَبَبًا لِلتَّعَزُّزِ وَالتَّمَتُّعِ وَالِاسْتِطَاعَةِ فَخُتِمَتِ الْآيَةُ بِإِهَانَةِ الْعَذَابِ لَهُمْ. وَأَنَّ ذَلِكَ الْإِمْلَاءَ الْمُنْتَجَ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا التَّعَزُّزُ وَالِاسْتِطَالَةُ مَآلُهُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى إِهَانَتِهِمْ بِالْعَذَابِ الَّذِي يُهِينُ الْجَبَابِرَةَ.