رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْبَشِيرَ كَانَ يَهُوذَا، لِأَنَّهُ كَانَ جَاءَ بِقَمِيصِ الدَّمِ.
وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيُّ: قَالَ يَهُوذَا لِإِخْوَتِهِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ الْقُرْحَةِ، فَدَعُونِي أَذْهَبُ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ الْفَرْحَةِ فَتَرَكُوهُ.
وَقَالَ هَذَا المعنى: السدي.
و (أنْ) تَطَّرِدُ زِيَادَتُهَا بَعْدَ (لَمَّا) ، وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُّ فِي أَلْقَاهُ عَائِدٌ عَلَى الْبَشِيرُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، هُوَ لِقَوْلِهِ: (فَأَلْقُوهُ) .
وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى يَعْقُوبَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أُرِيدَ الْوَجْهُ كُلُّهُ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنَّهُ مَتَى وَجَدَ الْإِنْسَانُ شَيْئًا يَعْتَقِدُ فِيهِ الْبَرَكَةَ مَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ.
وَقِيلَ: عَبَّرَ بِالْوَجْهِ عَنِ الْعَيْنَيْنِ لِأَنَّهُمَا فِيهِ.
وَقِيلَ: عَبَّرَ بالكل عن البعض.
و (ارتدّ) عَدَّهُ بَعْضُهُمْ فِي أَخَوَاتِ كَانَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَخَوَاتِهَا، فَانْتَصَبَ (بَصِيرًا) عَلَى الْحَالِ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى حَالَتِهِ الْأُولَى مِنْ سَلَامَةِ الْبَصَرِ.
فَفِي الْكَلَامِ مَا يُشْعِرُ أَنَّ بَصَرَهُ عَادَ أَقْوَى مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَ، لِأَنَّ فَعِيلًا مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، وَمَا عَدَلَ مِنْ مِفْعَلٍ إِلَى فَعِيلٍ إِلَّا لِهَذَا الْمَعْنَى انْتَهَى.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ فَعِيلًا هُنَا لَيْسَ لِلْمُبَالَغَةِ، إِذْ فَعِيلُ الَّذِي لِلْمُبَالَغَةِ هُوَ مَعْدُولٌ عَنْ فَاعِلٍ لِهَذَا الْمَعْنَى.
وَأَمَّا (بَصِيرًا) هُنَا فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَصُرَ بِالشَّيْءِ، فَهُوَ جَارٍ عَلَى قِيَاسِ فَعُلَ نَحْوَ ظَرُفَ فَهُوَ ظَرِيفٌ، وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ بِمَعْنَى مُبْصِرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْضًا، لِأَنَّ فعيلا بمعنى مفعل لَيْسَ لِلْمُبَالَغَةِ نَحْوَ: أَلِيمٌ وَسَمِيعٌ بِمَعْنَى مُؤْلِمٍ وَمُسْمِعٍ.
وَرُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ سَأَلَ الْبَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ؟ قَالَ: مَلِكُ مِصْرَ. قَالَ: مَا أَصْنَعُ بِالْمُلْكِ؟ قَالَ: عَلَى أَيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ؟ قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ.
قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَجِدِ الْبَشِيرُ عِنْدَ يَعْقُوبَ شَيْئًا يُبِيتُهُ بِهِ وقال: ما خبرنا شَيْئًا مُنْذُ سَبْعَ لَيَالٍ، وَلَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْكَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: رَجَعَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ بَعْدَ الْعَمَى، وَالْقُوَّةُ بَعْدَ الضَّعْفِ، وَالشَّبَابُ بَعْدَ الْهَرَمِ، وَالسُّرُورُ بَعْدَ الْكَرْبِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: (إنِّي أَعْلَمُ) مَحْكِيٌّ بِالْقَوْلِ وَيُرِيدُ بِهِ (إِنَّمَا أشكوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) . فَقِيلَ: مَا لَا تَعْلَمُونَ مِنْ حَيَاةِ يُوسُفَ، وَأَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ.
وَقِيلَ: مِنْ صِحَّةِ رُؤْيَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقِيلَ: مِنْ بَلْوَى الْأَنْبِيَاءِ بِالْحُزْنِ، وَنُزُولِ الْفَرَجِ.
وَقِيلَ: مِنْ أَخْبَارِ مَلَكِ الْمَوْتِ إِيَّايَ، وَكَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَا لَا تَعْلَمُونَ هُوَ انْتِظَارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشِيرَ إِلَى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ فَقَطْ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ) يَعْنِي قَوْلَهُ: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) ، أَوْ قَوْلَهُ: (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) .
وَقَوْلُهُ: (إِنِّي أَعْلَمُ) كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الْقَوْلُ انْتَهَى.
وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ.