قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَاتَّبَعَهُ قَائِلُونَ كَثِيرُونَ، وَكَانَ مِنْ مَرَدَةِ قُرَيْشٍ سَافَرَ إِلَى فَارِسَ وَالْحِيرَةِ وَسَمِعَ مِنْ قَصَصِ الرُّهْبَانِ وَالْأَنَاجِيلِ وَأَخْبَارِ رُسْتُمَ وَاسْفَنْدِيَارَ وَيَرَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَبْرًا بِالصَّفْرَاءِ بِالْأَثِيلِ مِنْهَا مُنْصَرَفَهُ مِنْ بَدْرٍ.
وَفِي هَذَا التَّرْكِيبِ جَوَازُ وُقُوعِ الْمُضَارِعِ بَعْدَ إِذَا وَجَوَابُهُ الْمَاضِي جَوَازًا فَصِيحًا بِخِلَافِ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا إِلَّا فِي الشِّعْرِ نَحْوَ:
مَنْ يَكِدْنِي بِشَيْءٍ كُنْتُ مِنْهُ
وَمَعْنَى (قَدْ سَمِعْنا) قَدْ سَمِعْنَا وَلَا نُطِيعُ، أَوْ قَدْ سَمِعْنَا مِنْكَ هَذَا، وَقَوْلُهُمْ (لَوْ نَشاءُ) أَيْ لَوْ نَشَاءُ الْقَوْلَ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا الَّذِي تَتْلُوهُ، وَذُكِرَ عَلَى مَعْنَى الْمَتْلُوِّ وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْبَهْتِ وَالْمُصَادَمَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ فَقَدْ طُولِبُوا بِسُورَةٍ مِنْهُ فَعَجَزُوا وَكَانَ أَصْعَبَ شَيْءٍ إِلَيْهِمُ الْغَلَبَةُ وَخُصُوصًا فِي بَابِ الْبَيَانِ فَقَدْ كَانُوا يَتَمَالَطُونَ وَيَتَعَارَضُونَ وَيُحْكَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ وَكَانُوا أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى قَهْرِ رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ يُحِيلُونَ الْمُعَارَضَةَ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَيَتَعَلَّلُونَ بِأَنَّهُمْ لَوْ أَرَادُوا لَقَالُوا مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ.
(إِنْ هَذَا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ)
تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْأَنْعَامِ.