فهرس الكتاب

الصفحة 873 من 4059

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ...(185)}

وَعَبَّرَ عَنِ الْبَيِّنَاتِ بِالْفُرْقَانِ، وَلَمْ يَأْتِ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ فَيُطَابِقَ الْعَجُزُ الصَّدْرَ لِأَنَّ فِيهِ مَزِيدَ مَعْنًى لَازِمٍ لِلْبَيِّنَاتِ، وَهُوَ كَوْنُهُ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَمَتَى كَانَ الشَّيْءُ جَلِيًّا وَاضِحًا حَصَلَ بِهِ الْفَرْقُ، وَلِأَنَّ فِي لَفْظِ: الْفُرْقَانِ، مُؤَاخَاةً لِلْفَاصِلَةِ قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (شَهْرُ رَمَضانَ) ثُمَّ قَالَ: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، ثُمَّ قَالَ: هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَحَصَلَ بِذَلِكَ تَوَاخِي هَذِهِ الْفَوَاصِلِ، فَصَارَ الْفُرْقَانُ هُنَا أَمْكَنَ مِنَ الْبَيِّنَاتِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، كَمَا قَرَّرْنَاهُ.

وَلَا يَظْهَرُ هُنَا مَا قَالَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الْهُدَى وَالْفُرْقَانَ أُرِيدَ بِهِ الْقُرْآنُ، لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ بَعْضَ نَفْسِهِ، وَفِي (الْمُنْتَخَبِ) أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ: هُدًى الْأَوَّلُ عَلَى أُصُولِ الدِّينِ، وَالثَّانِي عَلَى فُرُوعِهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اللَّامُ فِي الْهُدَى لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

يَعْنِي: أَنَّهُ أَتَى بِهِ مُنَكَّرًا أَوَّلًا، ثُمَّ أَتَى بِهِ مُعَرَّفًا ثَانِيًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا) (فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) فَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّسُولَ الَّذِي عَصَاهُ فِرْعَوْنُ هُوَ الرَّسُولُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِ.

(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)

الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الشَّهْرِ لِلْعَهْدِ، وَيَعْنِي بِهِ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَلِذَلِكَ يَنُوبُ عَنْهُ الضَّمِيرُ، وَلَوْ جَاءَ: فمن شهد مِنْكُمْ فَلْيَصُمْهُ لَكَانَ صَحِيحًا، وَإِنَّمَا أَبْرَزَهُ ظَاهِرًا لِلتَّنْوِيهِ بِهِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُ، وَحَسَّنَ لَهُ أَيْضًا كَوْنُهُ مِنْ جُمْلَةٍ ثَانِيَةٍ.

وَمَعْنَى شُهُودِ الشَّهْرِ الْحُضُورُ فِيهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت