جَمَعَ بَيْنَ الْعَذَابَيْنِ عَذَابِ الدُّنْيَا وَهُوَ الْمُعَجَّلُ وَعَذَابِ الْآخِرَةِ وَهُوَ الْمُؤَجَّلُ، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكُمْ إِلَى مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ عَذَابِ الدُّنْيَا، وَالْخِطَابُ لِلْمُشَاقِّينَ.
وَلَمَّا كَانَ عَذَابُ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَذَابِ الْآخِرَةِ يَسِيرًا سَمَّى مَا أَصَابَهُمْ مِنْهُ ذَوْقًا لِأَنَّ الذَّوْقَ يُعْرَفُ بِهِ الطَّعْمُ وَهُوَ يَسِيرٌ لِيُعْرَفَ بِهِ حَالُ الطَّعْمِ الْكَثِيرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) فَمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا كَالذَّوْقِ الْقَلِيلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أُعِدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ.
و (ذلِكُمْ) مَرْفُوعٌ إِمَّا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ ذَلِكُمُ الْعِقَابُ أَوْ عَلَى الْخَبَرِ وَالْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْعِقَابُ ذَلِكُمْ وَهُمَا تَقْدِيرَانِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَيْ ذَلِكُمُ الضَّرْبُ وَالْقَتْلُ وَمَا أَوْقَعَ اللَّهُ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ الْأَمْرُ ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ انتهى. وهذا تقرير الزَّجَّاجِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (وَأَنَّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطَفَ عَلَى ذلِكُمْ فِي وَجْهَيْهِ أَوْ نُصِبَ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى مَعَ ذُوقُوا هَذَا الْعَذَابَ الْعَاجِلَ مَعَ الْآجِلِ الَّذِي لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ فَوُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ أَيْ مَكَانَ وَإِنَّ لَكُمْ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ إِمَّا عَلَى تَقْدِيرِ وَحَتْمٌ أَنَّ فَتَقْدِيرُ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ يَكُونُ خَبَرَهُ.
وَقَالَ سِيبَوَيْهِ التَّقْدِيرُ الْأَمْرُ ذلِكُمْ، وَإِمَّا عَلَى تَقْدِيرِ وَاعْلَمُوا أَنَّ فَهِيَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ انْتَهَى.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ (وَإِنَّ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى اسْتِئْنَافِ الْإِخْبَارِ.