فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 4059

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ... (61) }

وَوَصَفَ الطَّعَامَ بِوَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ طَعَامَيْنِ، لِأَنَّهُ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى اللَّذَانِ رُزِقُوهُمَا فِي التِّيهِ، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْوَاحِدِ مَا لَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَتَبَدَّلُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَائِدَةِ الرَّجُلِ أَلْوَانٌ عَدِيدَةٌ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ لَا يُبَدِّلُهَا قِيلَ: لَا يَأْكُلُ فُلَانٌ إِلَّا طَعَامًا وَاحِدًا، يُرَادُ بِالْوَحْدَةِ نَفْيُ التَّبَدُّلِ وَالِاخْتِلَافِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدُوا أَنَّهُمَا ضَرْبٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُمَا مَعًا مِنْ طَعَامِ أَهْلِ التَّلَذُّذِ وَالسَّرَفِ، وَنَحْنُ قَوْمُ فِلَاحَةٍ أَهْلُ زِرَاعَاتٍ، فَمَا نُرِيدُ إِلَّا مَا أَلِفْنَاهُ وَضَرَيْنَا بِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُتَفَاوِتَةِ، كَالْحُبُوبِ وَالْبُقُولِ وَنَحْوِهِمَا.

ذَكَرَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي مَعْنَى الْوَاحِدِ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وَقِيلَ: أَعَادَ عَلَى لَفْظِ الطَّعَامِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُفْرَدٌ لَا عَلَى مَعْنَاهُ.

وَقِيلَ: كَانُوا يَأْكُلُونَ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى مُخْتَلِطَيْنِ، فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ اللَّوْنِ الَّذِي يَجْمَعُ أَشْيَاءَ وَيُسَمَّى لَوْنًا وَاحِدًا.

وَقِيلَ: كَانَ طَعَامُهُمْ يَأْتِيهِمْ بِصِفَةِ الْوَحْدَةِ، نَزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنُّ فَأَكَلُوا مِنْهُ مُدَّةً حَتَّى سَئِمُوهُ وَمَلُّوهُ، ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهُمْ، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ السَّلْوَى فَأَكَلُوهَا مُدَّةً وَحْدَهَا.

وَقِيلَ: أَرَادُوا بِالطَّعَامِ الْوَاحِدِ السَّلْوَى، لِأَنَّ الْمَنَّ كَانَ شَرَابًا، أَوْ شَيْئًا يَتَحَلَّوْنَ بِهِ، وَمَا كَانُوا يَعُدُّونَ طَعَامًا إِلَّا السَّلْوَى.

وَقِيلَ: عَبَّرَ عَنْهُمَا بِالْوَاحِدِ، كَمَا عَبَّرَ بِالْاثْنَيْنِ عَنِ الْوَاحِدِ نَحْوَ: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمِلْحُ دُونَ الْعَذْبِ.

وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ أَحَدِهِمَا.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَنْ نَصْبِرَ عَلَى أَنَّنَا كُلَّنَا أَغْنِيَاءُ، فَلَا يَسْتَعِينُ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ، وَيَكُونُ قَدْ كَنَى بِالطَّعَامِ الْوَاحِدِ عَنْ كَوْنِهِمْ نَوْعًا وَاحِدًا، وَهُوَ كَوْنُهُمْ ذَوِي غِنًى، فَلَا يَخْدُمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَكَذَلِكَ كَانُوا فِي التِّيهِ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْهُ عَادُوا لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ فَقْرِ بَعْضٍ وَغِنَى بَعْضٍ.

فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَقْوَالٍ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: (عَلى طَعامٍ واحِدٍ) .

وَإِنَّمَا سَأَلُوا مِنْ مُوسَى أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ بِمَا اقْتَرَحُوهُ وَلَمْ يدعوا هم، لِأَنَّ إِجَابَةَ الْأَنْبِيَاءِ أَقْرَبُ مِنْ إِجَابَةِ غَيْرِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: (رَبَّكَ) ، وَلَمْ يَقُولُوا: رَبَّنَا، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِصَاصِ بِهِ مَا لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ مُنَاجَاتِهِ وَتَكْلِيمِهِ وَإِتْيَانِهِ التَّوْرَاةَ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: ادْعُ لَنَا الَّذِي هُوَ مُحْسِنٌ لَكَ، فَكَمَا أَحْسَنَ إِلَيْكَ فِي أَشْيَاءَ، كَذَلِكَ نَرْجُو أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْنَا فِي إِجَابَةِ دُعَائِكَ.

(وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ)

قَتَلُوا يَحْيَى وَشَعِيَا وَزَكَرِيَّا.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَتَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ سَبْعِينَ نَبِيًّا، وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثَمِائَةِ نَبِيٍّ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَقَامَتْ سُوقُ قَتْلِهِمْ فِي آخِرِهِ.

وَعَلَى هَذَا يَتَوَجَّهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: يُقَتِّلُونَ بِالتَّشْدِيدِ لِظُهُورِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْقَتْلِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَلِيٍّ.

وَلَا فَرْقَ فِي الدَّلَالَةِ بَيْنَ النَّبِيِّينَ وَالْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّ الْجَمْعَيْنِ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِمَا الْ تَسَاوِيَا بِخِلَافِ حَالِهِمَا إِذَا كَانَا نَكِرَتَيْنِ، لِأَنَّ جَمْعَ السَّلَامَةِ إِذْ ذَاكَ ظَاهِرٌ فِي الْقِلَّةِ، وَجَمْعُ التَّكْسِيرِ عَلَى أَفْعِلَاءِ ظَاهِرٌ فِي الْكَثْرَةِ.

(بِغَيْرِ الْحَقِّ)

وَلَمْ يَرِدْ هَذَا عَلَى أَنَّ قَتْلَ النَّبِيِّينَ يَنْقَسِمُ إِلَى قَتْلٍ بِحَقٍّ وَقَتْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، بَلْ مَا وَقَعَ مِنْ قَتْلِهِمْ إِنَّمَا وَقَعَ بِغَيْرِ حَقٍّ، لِأَنَّ النَّبِيَّ مَعْصُومٌ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَمْرًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ فِيهِ الْقَتْلَ، وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا الْقَيْدُ عَلَى سَبِيلِ التَّشْنِيعِ لِقَتْلِهِمْ، وَالتَّقْبِيحِ لِفِعْلِهِمْ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ، أَيْ بِغَيْرِ الْحَقِّ عِنْدَهُمْ، أَيْ لَمْ يَدَّعُوا فِي قَتْلِهِمْ وَجْهًا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الْقَتْلَ عِنْدَهُمْ.

وَقِيلَ: جَاءَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: (وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) ، إِذْ لَا يَقَعُ قَتْلُ نَبِيٍّ إِلَّا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَلَمْ يَأْتِ نَبِيٌّ قَطُّ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ، وَإِنَّمَا قُتِلَ مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ كَرَاهَةً لَهُ وَزِيَادَةً فِي مَنْزِلَتِهِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ قَطُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتَالٍ، وَكُلُّ مَنْ أُمِرَ بِقِتَالٍ نُصِرَ.

قِيلَ: وَعُرِّفَ الْحَقُّ هُنَا لِأَنَّهُ أُشِيرَ بِهِ إِلَى الْمَعْهُودِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ.

وَأَمَّا الْمُنَكَّرُ فَالْمُرَادُ بِهِ تَأْكِيدُ الْعُمُومِ، أَيْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَقٌّ لَا مَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَا غَيْرُهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت