{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) }
ظَاهِرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهَا كُرِّرَتْ تَوْكِيدًا لِمَا قَبْلَهَا فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا فَقَطْ، لَا أَنَّ ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْآيَةِ الْأُولَى، لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الأولى فِي الْإِقَامَةِ، وَالثَّانِيَةَ فِي السَّفَرِ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَهِيَ فِي السَّفَرِ، فَهِيَ تَأْكِيدٌ لِلثَّانِيَةِ.
وَحِكْمَةُ هَذَا التَّأْكِيدِ تَثْبِيتُ هَذَا الْحُكْمِ، وَتَقْرِيرُ نَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لِأَنَّ النَّسْخَ هُوَ مِنْ مَظَانِّ الْفِتْنَةِ وَالشُّبْهَةِ وَتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ لِلطَّعْنِ فِي تَبْدِيلِ قِبْلَةٍ بِقِبْلَةٍ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ صَعْبًا عَلَيْهِمْ، فَأَكَّدَ بِذَلِكَ أَمْرَ النَّسْخِ وَثَبَّتَ. وَكَانَ التَّأْكِيدُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ بِتَكْرِيرِ هَذِهِ الْجُمَلِ مَرَّتَيْنِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَكْثَرُ الْمَعْهُودُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَهُوَ أَنْ تُعَادَ الْجُمْلَةُ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الْأَوَامِرُ، لِأَنَّهُ لَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ كُلُّ أَحَدٍ، فَكَانَ يُوجَدُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ مَا لَيْسَ عِنْدَ بَعْضٍ لَوْ لَمْ يُكَرِّرْ.
وَهَذَا الْمَعْنَى فِي التَّكْرِيرِ يُرْوَى عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى وقع التَّكْرِيرُ فِي الْقِصَصِ.
وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ أَوَّلَ الْوَقَائِعِ الَّتِي ظَهَرَ النَّسْخُ فِيهَا فِي شَرْعِنَا، كُرِّرَتْ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّقْرِيرِ وَإِزَالَةِ
الشُّبْهَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مُخَصَّصَاتٍ تُخْرِجُهَا بِذَلِكَ عَنِ التَّأْكِيدِ. فَقِيلَ:
الْأُولَى مِنْ قَوْلِهِ: (فَوَلِّ وَجْهَكَ) نَسْخٌ لِلْقِبْلَةِ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةُ لِاسْتِوَاءِ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ، وَالثَّالِثَةُ لِلدَّوَامِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ.
وَقِيلَ: الْأُولَى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالثَّانِيَةُ خَارِجُ الْمَسْجِدِ، وَالثَّالِثَةُ خَارِجُ الْبَلَدِ.
وَقِيلَ: الْخُرُوجُ الْأَوَّلُ إِلَى مَكَانٍ تُرَى فِيهِ الْكَعْبَةُ، وَالثَّانِي إِلَى مَكَانٍ لَا تُرَى فِيهِ، فَسَوَّى بَيْنِ الْحَالَتَيْنِ.
وَقِيلَ: الْخُرُوجُ الْأَوَّلُ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ السَّبَبِ، وَهُوَ: وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، وَالثَّانِي مُتَّصِلٌ بِانْتِفَاءِ الْحُجَّةِ، وَهُوَ: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ.
وَقِيلَ: الْأَوَّلُ لِجَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَالثَّانِي لِجَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ، وَالثَّالِثُ لِجَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ.
وَقِيلَ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَارِجًا عَنْهُ وَهُوَ فِي الْبَلَدِ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْبَلَدِ إِلَى أَقْطَارِ الْأَرْضِ، فَسَوَّى بَيْنِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ لِلْأَقْرَبِ حُرْمَةً لَا تَثْبُتُ لِلْأَبْعَدِ.
وَقِيلَ: التَّخْصِيصُ حَصَلَ فِي كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ بِأَمْرٍ، فَالْأَوَّلُ بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَعْلَمُونَ أَمْرَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرَ هَذِهِ الْقِبْلَةِ، حَتَّى أَنَّهُمْ شَاهَدُوا ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَالثَّانِي فِيهِ شَهَادَةُ اللَّهِ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ، وَالثَّالِثُ بَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ، فَقَطَعَ بِذَلِكَ قَوْلَ الْمُعَانِدِينَ.
وَقِيلَ: الْأَوَّلُ مَقْرُونٌ بِإِكْرَامِهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ بِالْقِبْلَةِ الَّتِي كَانُوا يُحِبُّونَهَا، وَهِيَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ والسلام، بقوله: (لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها) ، أَيْ لِكُلِّ صَاحِبِ دَعْوَةِ قِبْلَةٌ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا، فَتَوَجَّهُوا أَنْتُمْ إِلَى أَشْرَفِ الْجِهَاتِ الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهَا الْحَقُّ، وَالثَّالِثُ مَقْرُونٌ بِقَطْعِ اللَّهِ حُجَّةَ مَنْ خَاصَمَهُ مِنَ الْيَهُودِ.
وَقِيلَ: رُبَّمَا خَطَرَ فِي بَالِ جَاهِلٍ أَنَّهُ تَعَالَى فَعَلَ ذَلِكَ لِرِضَا نَبِيِّهِ لِقَوْلِهِ: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها) فَأَزَالَ هَذَا الْوَهْمَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أَيْ مَا حَوَّلْنَاكَ لِمُجَرَّدِ الرِّضَا، بَلْ لِأَجْلِ أَنْ هَذَا التَّحْوِيلَ هُوَ الْحَقُّ، فَلَيْسَتْ كَقِبْلَةِ الْيَهُودِ الَّتِي يَتَّبِعُونَهَا بِمُجَرَّدِ الْهَوَى، ثُمَّ أَعَادَ ثَالِثًا، وَالْمُرَادُ: دُومُوا عَلَى هَذِهِ الْقِبْلَةِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ.
وَقِيلَ: كرر (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ) فَحَثَّ بِإِحْدَاهُمَا عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ بِالْقَلْبِ وَالْبَدَنِ، فِي أَيْ مَكَانٍ كَانَ الْإِنْسَانُ، نَائِيًا كَانَ عَنْهَا، أَوْ دَانِيًا مِنْهَا، وَذَلِكَ فِي حَالِ التَّمَكُّنِ وَالِاخْتِيَارِ، وَحَثَّ بِالْأُخْرَى عَلَى التَّوَجُّهِ بِالْقَلْبِ نَحْوَهُ عِنْدَ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ فِي حَالَةِ الْمُسَابَقَةِ، وَفِي النَّافِلَةِ فِي حَالَةِ السَّفَرِ، وَعَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ.
(لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَعْنَاهُ لِئَلَّا يَكُونَ حُجَّةً لِأَحَدٍ مِنَ الْيَهُودِ، إِلَّا لِلْمُعَانِدِينَ مِنْهُمُ الْقَائِلِينَ: مَا تَرَكَ قِبْلَتِنَا إِلَى الْكَعْبَةِ إِلَّا مَيْلًا إِلَى دِينِ قَوْمِهِ وَحَبًّا لِبَلَدِهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْحَقِّ لَلَزِمَ قِبْلَةَ الْأَنْبِيَاءِ.
فَإِنْ قُلْتَ: أَيُّ حُجَّةٍ كَانَتْ تَكُونُ لِلْمُتَّصِفِينَ مِنْهُمْ لَوْ لَمْ يُحَوِّلْ حَتَّى احْتَرَزَ مِنْ تِلْكَ الْحُجَّةِ وَلَمْ يُبَالِ بِحُجَّةِ الْمُعَانِدِينَ؟
قُلْتُ: كَانُوا يَقُولُونَ: مَا لَهُ لَا يُحَوِّلُ إِلَى قِبْلَةِ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي نَعْتِهِ فِي التَّوْرَاةِ؟
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ أَطْلَقَ اسْمَ الْحُجَّةِ عَلَى قَوْلِ الْمُعَانِدِينَ؟
قُلْتُ: لِأَنَّهُمْ يَسُوقُونَهُ سِيَاقَ الْحُجَّةِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْحُجَّةَ الدَّاحِضَةَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ كُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي النَّازِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها اسْتِهْزَاءً، وَفِي قَوْلِهِمْ: تَحَيَّرَ مُحَمَّدٌ فِي دِينِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي لَمْ تَنْبَعِثْ إِلَّا مِنْ عَابِدِ وَثَنٍ، أَوْ مِنْ يَهُودِيٍّ، أَوْ مِنْ مُنَافِقٍ.
وَسَمَّاهَا تَعَالَى: (حُجَّةً) وَحَكَمَ بِفَسَادِهَا حِينَ كَانَتْ مِنْ ظَلَمَةٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَدِ اتَّضَحَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ اتِّصَالُ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَإِنَّهُمْ يَتَعَلَّقُونَ عَلَيْكُمْ بِالشُّبْهَةِ، يَضَعُونَهَا مَوْضِعَ الْحُجَّةِ، وَلَيْسَتْ بِحُجَّةٍ. وَمَثَارُ الْخِلَافِ هُوَ: هَلِ الْحُجَّةُ هُوَ الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ الصَّحِيحُ؟ أَوِ الْحُجَّةُ هُوَ الِاحْتِجَاجُ وَالْخُصُومَةُ؟ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ.