زِينَةَ اللَّهِ مَا حَسَّنَتْهُ الشَّرِيعَةُ وَقَرَّرَتْهُ مِمَّا يُتَجَمَّلُ بِهِ مِنَ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا، وَأُضِيفَتْ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَبَاحَهَا وَالطَّيِّبَاتُ هِيَ الْمُسْتَلَذَّاتُ مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ بِطَرِيقَةٍ وَهُوَ الْحِلُّ.
وَقِيلَ: الطَّيِّبَاتُ الْمُحَلَّلَاتُ.
وَمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ إِنْكَارُ تَحْرِيمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَتَوْبِيخُ مُحَرِّمِيهَا وَقَدْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ أَشْيَاءَ مِنْ لُحُومِ الطَّيِّبَاتِ وَأَلْبَانِهَا وَالِاسْتِفْهَامُ إِذَا تَضَمَّنَ الْإِنْكَارَ لَا جَوَابَ لَهُ، وَتَوَهُّمُ مَكِّيٍّ هُنَا أَنَّ لَهُ جَوَابًا هُنَا وَهُوَ قَوْلُهُ (قُلْ هِيَ) تَوَهُّمٌ فَاسِدٌ.
وَمَعْنَى (أَخْرَجَ) أَبْرَزَهَا وَأَظْهَرَهَا.
وَقِيلَ فَصَلَ حَلَالَهَا مِنْ حَرَامِهَا.
(قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ)
قَرَأَ قَتَادَةُ قُلْ هِيَ لِمَنْ آمَنَ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ خالِصَةً بِالرَّفْعِ.
وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ بِالنَّصْبِ فَأَمَّا النَّصْبُ فَعَلَى الْحَالِ وَالتَّقْدِيرُ قُلْ هِيَ مُسْتَقِرَّةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي حَالِ خُلُوصِهَا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ الْوَاقِعِ خَبَرًا لِهِيَ وفِي الْحَياةِ مُتَعَلّقٌ بِآمَنُوا وَيَصِيرُ الْمَعْنَى قُلْ هِيَ خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَنْ آمَنَ فِي الدُّنْيَا
وَلَا يَعْنِي بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقْتَ الْحِسَابِ وَخُلُوصُهَا كَوْنُهُمْ لَا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهَا.
وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يُشِيرُ تَفْسِيرُ ابْنِ جُبَيْرٍ، وَجَوَّزُوا فِيهِ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ وَالْخَبَرُ الْأَوَّلُ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا وفِي الْحَياةِ الدُّنْيا مُتَعَلّقٌ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ لِلَّذِينِ وَهُوَ الْكَوْنُ الْمُطْلَقُ أَيْ قُلْ هِيَ كَائِنَةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كَانَ يُشْرِكُهُمْ فِيهَا فِي الْحَيَاةِ الدّنيا الكفّار وخالصة لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُرَادُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ اسْتِمْرَارُ الْكَوْنِ فِي الْجَنَّةِ وَهَذَا الْمَعْنَى مِنْ أَنَّهَا لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ فِي الدُّنْيَا خَالِصَةٌ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ قَوْلُ ابن عباس والضحاك وقتادة وَالْحَسَنِ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ زَيْدٍ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إِذَا كَانَ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ فَكَيْفَ جَاءَ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا؟
(فَالْجَوَابُ) مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ قُلْ هِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي الدُّنْيَا خَالِصَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْقِيَامَةِ لَا يُشَارَكُونَ فِيهَا قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ، الثَّانِي: إِنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ لِلَّذِينَ آمَنُوا لَيْسَ كَوْنًا مُطْلَقًا بَلْ كَوْنًا مُقَيَّدًا يَدُلُّ عَلَى حَذْفِهِ مُقَابِلُهُ وَهُوَ خالِصَةً تَقْدِيرُهُ قُلْ هِيَ غَيْرُ خَالِصَةٍ لِلَّذِينِ آمَنُوا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قَالَ: قُلْ هي للذين آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا غَيْرُ خَالِصَةٍ لَهُمْ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ شُرَكَاؤُهُمْ فِيهَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُشْرِكُهُمْ فِيهَا أَحَدٌ
ثُمَّ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا قِيلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا وَلِغَيْرِهِمْ؟
(قُلْتُ) النِّيَّةُ عَلَى أَنَّهَا خُلِقَتْ لِلَّذِينِ آمَنُوا عَلَى طَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَأَنَّ الْكَفَرَةَ تَبَعٌ لَهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ) انْتَهَى.
وَجَوَابُ الزَّمَخْشَرِيُّ هُوَ لِلتِّبْرِيزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ التِّبْرِيزِيُّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهَا لِلْمُؤْمِنِينَ خَالِصَةً فِي الْآخِرَةِ لَا يُشْرِكُهُمِ الْكُفَّارُ فِيهَا هَذَا وَإِنْ كَانَ مَفْهُومُهُ الشَّرِكَةَ بَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ إِلَّا أَنَّهُ أَضَافَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا فِي الدُّنْيَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا خَلَقَهَا لِلَّذِينِ آمَنُوا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَالْكَفَّارُ تَبَعٌ لَهُمْ فِيهَا فِي الدُّنْيَا وَلِذَلِكَ خَاطَبَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا انْتَهَى.
(كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)
أَيْ مِثْلُ تَفْصِيلِنَا وَتَقْسِيمِنَا السَّابِقِ نُقَسِّمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِقَوْمٍ لَهُمْ عِلْمٌ وَإِدْرَاكٌ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ إِلَّا مَنْ عَلِمَ لِقَوْلِهِ: (وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) .