فهرس الكتاب

الصفحة 2505 من 4059

{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ(60)}

الْخِطَابُ بِالْأَمْرِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَضَمَّنَ الْخِطَابُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ أُمِرَ أَنْ يُنَادِيَهُمْ أَوْ يُخَاطِبَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا) هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.

قَالَ ابن عطية: ويحتمل أن يَكُونَ ضَمِيرُ الْخِطَابِ لِلْمُؤْمِنِينَ أَيْ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْمُؤْمِنِينَ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ حَالِ هَؤُلَاءِ الْفَاسِقِينَ فِي وَقْتِ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ، أُولَئِكَ أَسْلَافُهُمُ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِمْ، وَتَكُونُ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى حَالِهِمْ انْتَهَى.

فَعَلَى هَذَا الْإِضْمَارِ يَكُونُ قَوْلُهُ: (بِشَرٍّ) أَفْعَلَ تَفْضِيلٍ بَاقِيَةً عَلَى أَصْلِ وَضْعِهَا مِنْ كَوْنِهَا تَدُلُّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْوَصْفِ، وَزِيَادَةِ الْفَضْلِ عَلَى الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ فِي الْوَصْفِ، فَيَكُونُ ضَلَالُ أُولَئِكَ الْأَسْلَافِ وَشَرُّهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ضَلَالِ هَؤُلَاءِ الْفَاسِقِينَ.

وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ خِطَابًا لِأَهْلِ الْكِتَابِ، فَيَكُونُ (شَرٌّ) عَلَى بَابِهَا مِنَ التَّفْضِيلِ عَلَى مُعْتَقَدِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذْ قَالُوا: مَا نَعْلَمُ دِينًا شَرًّا مِنْ دِينِكُمْ.

وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا ضَلَالَ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا شَرِكَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ.

وَ (ذَلِكَ) كَمَا ذَكَرْنَا إِشَارَةٌ إِلَى دِينِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ حَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى حَذْفِ مُضَافٍ: إِمَّا قَبْلَهُ، وَإِمَّا بَعْدَهُ. فَيُقَدَّرُ قَبْلَهُ: بِشَرٍّ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الْحَالِ، وَيُقَدَّرُ بَعْدَهُ: حَالُ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ.

وَيَحْتَمِلُ (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ) أَنْ يُرَادَ بِهِ أَسْلَافُ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، أَوِ الْأَسْلَافُ وَالْأَخْلَافُ، فَيَنْدَرِجُ هَؤُلَاءِ الْحَاضِرُونَ فِيهِمْ. وَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْفَصَاحَةُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَنْبِيهًا عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ كَوْنُهُ شَرًّا مَثُوبَةً، وَهِيَ اللَّعْنَةُ وَالْغَضَبُ، وَجَعَلَ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ مِنْهُمْ، وَعَبْدَ الطَّاغُوتَ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ أَنْتُمْ أَيْ: هُوَ أَنْتُمْ.

وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ بَعْدُ: (وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا) فَيَكُونُ الضَّمِيرُ وَاحِدًا.

(أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا)

الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَوْصُوفِينَ بِاللَّعْنَةِ وَمَا بَعْدَهَا.

وَانْتَصَبَ مَكَانًا عَلَى التَّمْيِيزِ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ أَنْ يُرَادَ بِالْمَكَانِ حَقِيقَةً، إِذْ هُوَ جَهَنَّمُ، وَإِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا فَيَكُونُ كِنَايَةً وَاسْتِعَارَةً لِلْمَكَانَةِ فِي قَوْلِهِ: (أُولَئِكَ شَرٌّ) لِدُخُولِهِ فِي بَابِ الْكِنَايَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ وَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى الشَّيْءِ بِذِكْرِ لِوِزَامِهِ وَتَوَابِعِهِ قَبْلَ الْمَفْضُولِ، وَهُوَ مَكَانُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا شَرَّ فِي مَكَانِهِمْ.

وَقَالَ الزَّجَّاجُ: شَرٌّ مَكَانًا عَلَى قَوْلِكُمْ وَزَعْمِكُمْ.

وَقَالَ النَّحَّاسُ: أَحْسَنُ مَا قِيلَ شَرٌّ مَكَانًا فِي الْآخِرَةِ مِنْ مَكَانِكُمْ فِي الدُّنْيَا، لِمَا يَلْحَقُكُمْ مِنَ الشَّرِّ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَكَانُهُمْ سَقَرٌ، وَلَا مَكَانَ أَشَدُّ شَرًّا مِنْهُ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَفْضُولَ هُوَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، لِأَنَّ الْيَهُودَ جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَالرُّسُلُ وَالْمُعْجِزَاتُ مَا لَمْ يَجِئْ غَيْرُهُمْ كَثْرَةً، فَكَانُوا أَبْعَدَ نَاسٍ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَأَوْغَلَهُمْ فِي الْعِصْيَانِ، وَكَفَرُوا بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْكُفْرِ وَالرُّسُلِ، تَنْتَابُهُمُ الْغَيْبَةُ بَعْدَ الْغَيْبَةِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ شَرٌّ مِنَ الْكُفَّارِ.

(وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ)

أَيْ عَنْ وَسَطِ السَّبِيلِ، وَقَصْدِهِ: أَيْ هُمْ حَائِرُونَ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى مستقيم الطريق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت