هَذَا ابْتِدَاءُ احْتِجَاجٍ على الكفار الذين يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شُرَكَاءَ.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: (أَرَأَيْتَكُمْ) كَلِمَةُ اسْتِفْهَامٍ وَتَعَجُّبٍ وَلَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْمَعْنَى: أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ خِفْتُمْ عَذَابَ اللَّهِ أَوْ خِفْتُمْ هَلَاكًا أَوْ خِفْتُمُ السَّاعَةَ أَتَدْعُونَ أصنامكم وتلجئون إِلَيْهَا فِي كَشْفِ ذَلِكَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي قَوْلِكُمْ أنَّهَا آلِهَةٌ، بَلْ تَدْعُونَ اللَّهَ الْخَالِقَ الرَّازِقَ فَيَكْشِفُ مَا خِفْتُمُوهُ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ أَصْنَامَكُمْ أَيْ تَتْرُكُونَهُمْ؟
فَعَبَّرَ عَنِ التَّرْكِ بِأَعْظَمِ وُجُوهِهِ الَّذِي هُوَ مَعَ التَّرْكِ ذُهُولٌ وَإِغْفَالٌ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ إِلَهًا مَنْ هَذِهِ حَالُهُ فِي الشَّدَائِدِ؟ وأَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَتَاكُمْ خَوْفُهُ وَأَمَارَاتُهُ وَأَوَائِلُهُ مِثْلُ الْجَدْبِ وَالْبَأْسَاءِ وَالْأَمْرَاضِ الَّتِي يُخَافُ مِنْهَا الْهَلَاكُ كَالْقُولَنْجِ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: عَذَابُ اللَّهِ هُوَ الْعَذَابُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْمَوْتُ. وَيَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ مُقَدِّمَاتِهِ مِنَ الشَّدَائِدِ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ السَّاعَةُ هِيَ الْقِيَامَةُ و (أرأيت) الْهَمْزَةُ فِيهَا لِلِاسْتِفْهَامِ فَإِنْ كَانَتِ الْبَصَرِيَّةَ أَوِ الَّتِي لِإِصَابَةِ الرُّؤْيَةِ أَوِ الْعِلْمِيَّةَ الْبَاقِيَةَ عَلَى بَابِهَا لَمْ يَجُزْ فِيهَا إِلَّا تَحْقِيقُ الْهَمْزَةِ أَوْ تَسْهِيلُهَا بَيْنَ بَيْنَ وَلَا يَجُوزُ حَذْفُهَا، وَتَخْتَلِفُ التَّاءُ بِاخْتِلَافِ الْمُخَاطَبِ وَلَا يَجُوزُ إِلْحَاقُ الْكَافِ بِهَا وَإِنْ كَانَتِ الْعِلْمِيَّةَ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى أَخْبَرَنِي جَازَ أَنْ تُحَقَّقَ الْهَمْزَةُ، وَبِهِ قَرَأَ الْجُمْهُورُ فِي (أَرَأَيْتَكُمْ وأرأيتم وأرأيت) وَجَازَ أَنْ تُسَهَّلَ بَيْنَ بين وبه قَرَأَ نَافِعٌ وَرُوِيَ عَنْهُ إِبْدَالُهَا أَلِفًا مَحْضَةً وَيَطُولُ مَدُّهَا لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ مَا بَعْدَهَا.
(أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ)
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَكَّتَهُمْ بِقَوْلِهِ: (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ) بِمَعْنَى أَتَخُصُّونَ آلِهَتَكُمْ بِالدَّعْوَةِ فِيمَا هُوَ عَادَتُكُمْ إِذَا أَصَابَكُمْ ضُرٌّ أَمْ تَدْعُونَ اللَّهَ دُونَهَا؟ انْتَهَى.
وَقَدَّرَهُ بِمَعْنَى أَتَخُصُّونَ لِأَنَّ عِنْدَهُ تَقْدِيمَ الْمَفْعُولِ مُؤْذِنٌ بِالتَّخْصِيصِ وَالْحَصْرِ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِيمَا سَبَقَ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ وَالتَّخْصِيصِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ مِنْ بَابِ اسْتِدْرَاجِ الْمُخَاطَبِ وَهُوَ أَنْ يُلِينَ الْخِطَابَ وَيَمْزُجَهُ بِنَوْعٍ مِنَ التَّلَطُّفِ وَالتَّعَطُّفِ حَتَّى يُوقِعَ الْمُخَاطَبَ فِي أَمْرٍ يَعْتَرِفُ بِهِ فَتَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى خَاطَبَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ بِلِينٍ مِنَ الْقَوْلِ وَذَكَرَ لَهُمْ أَمْرًا لَا يُنَازِعُونَ فِيهِ وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا مَسَّهُمُ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ لَا غَيْرَهُ.
وَجَوَابُ (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي دَعْوَاكُمْ أَنَّ غَيْرَ اللَّهِ إِلَهٌ فَهَلْ تَدْعُونَهُ لِكَشْفِ مَا يَحِلُّ بِكُمْ مِنَ الْعَذَابِ؟.