فهرس الكتاب

الصفحة 2816 من 4059

{قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ(104)}

(قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ)

هَذَا وَارِدٌ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ لِقَوْلِهِ آخِرَهُ (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) وَالْبَصِيرَةُ نُورُ الْقَلْبِ الَّذِي يُسْتَبْصَرُ بِهِ كَمَا أَنَّ الْبَصَرَ نُورُ الْعَيْنِ الَّذِي بِهِ تُبْصِرُ أَيْ جَاءَكُمْ مِنَ الْوَحْيِ وَالتَّنْبِيهِ بِمَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمَا لَا يَجُوزُ مَا هُوَ لِلْقُلُوبِ كَالْبَصَائِرِ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْبَصِيرَةُ هِيَ مَا يَنْقُبُ عَنْ تَحْصِيلِ الْعَقْلِ لِلْأَشْيَاءِ الْمَنْظُورِ فِيهَا بِالِاعْتِبَارِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: قَدْ جَاءَكُمْ فِي الْقُرْآنِ وَالْآيَاتِ طَرَائِقُ إِبْصَارِ الْحَقِّ وَالْمُعِينَةِ عَلَيْهِ وَالْبَصِيرَةُ لِلْقَلْبِ مُسْتَعَارَةٌ مِنْ إِبْصَارِ الْعَيْنِ.

وَقَالَ الْحَوْفِيُّ: الْبَصِيرَةُ الْحُجَّةُ الْبَيِّنَةُ الظَّاهِرَةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ) (بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْبَصَائِرُ آيَاتُ الْقُرْآنِ الَّتِي فِيهَا الْإِيضَاحُ وَالْبَيِّنَاتُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا يَسْتَحِيلُ وَإِسْنَادُ الْمَجِيءِ إِلَى الْبَصَائِرِ مَجَازٌ لِتَفْخِيمِ شأنها إذا كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْغَائِبِ الْمُتَوَقَّعِ حُضُورُهُ كَمَا يُقَالُ جَاءَتِ الْعَافِيَةُ.

(فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ)

أَيْ فَالْإِبْصَارُ لِنَفْسِهِ أَيْ نَفْعُهُ وَثَمَرَتُهُ.

(وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها)

أَيْ فَالْعَمَى عَلَيْهَا أَيْ فَجَدْوَى الْعَمَى عَائِدٌ عَلَى نَفْسِهِ وَالْإِبْصَارُ وَالْعَمَى كِنَايَتَانِ عَنِ الْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ ثَمَرَةَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ إِنَّمَا هِيَ لِلْمُهْتَدِي وَالضَّالِّ لِأَنَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، وَهِيَ مِنَ الْكِنَايَاتِ الْحَسَنَةِ لَمَّا ذَكَرَ الْبَصَائِرَ أَعْقَبَهَا تَعَالَى بِالْإِبْصَارِ وَالْعَمَى وَهَذِهِ مُطَابَقَةٌ.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: الْبَصِيرَةُ اسْمُ الْإِدْرَاكِ التَّامِّ الْحَاصِلِ فِي الْقَلْبِ وَالْآيَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ لَيْسَتْ فِي أَنْفُسِهَا بَصَائِرَ إِلَّا أَنَّهَا لِقُوَّتِهَا وَجَلَائِهَا تُوجِبُ الْبَصَائِرَ لِمَنْ عَرَفَهَا، فَلَمَّا كَانَتْ أَسْبَابًا لِحُصُولِ الْبَصَائِرِ سُمِّيَتْ بَصَائِرَ.

(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)

أَيْ بِرَقِيبٍ أَحْصُرُ أَعْمَالَكُمْ أَوْ بِوَكِيلٍ آخُذُكُمْ بِالْإِيمَانِ أَوْ بِحَافِظِكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أو برب أُجَازِيكُمْ أَوْ بِشَاهِدٍ أَقْوَالٌ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِحَفِيظٍ أَحْفَظُ أَعْمَالَكُمْ وَأُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَاللَّهُ هُوَ الحفيظ عَلَيْكُمْ. انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَانَ قَبْلَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ حَفِيظًا عَلَى الْعَالَمِ آخِذًا لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَالسَّيْفِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت