فهرس الكتاب

الصفحة 3375 من 4059

{وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ(46)}

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عُدَّةً مِنَ الزَّادِ وَالْمَاءِ وَالرَّاحِلَةِ، لِأَنَّ سَفَرَهُمْ بَعِيدٌ فِي زَمَانِ حَرٍّ شَدِيدٍ.

وَفِي تَرْكِهِمُ الْعُدَّةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا التَّخَلُّفَ.

وَقَالَ قَوْمٌ: كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى تَحْصِيلِ الْعُدَّةِ وَالْأُهْبَةِ.

وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْعُدَّةُ النِّيَّةُ الْخَالِصَةُ فِي الْجِهَادِ.

وَحَكَى الطَّبَرِيُّ: كُلُّ مَا يُعَدُّ لِلْقِتَالِ مِنَ الزَّادِ وَالسِّلَاحِ.

وَلَمَّا تَضَمَّنَتِ الْجُمْلَةُ انْتِفَاءَ الْخُرُوجِ وَالِاسْتِعْدَادِ، وَجَاءَ بَعْدَهَا وَلَكِنْ، وَكَانَتْ لَا تَقَعُ إِلَّا بَيْنَ نَقِيضَيْنِ أَوْ ضِدَّيْنِ أَوْ خِلَافَيْنِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، لَا بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ، وَكَانَ ظَاهِرُ مَا بَعْدَ (لَكِنْ) مُوَافِقًا لِمَا قَبْلَهَا.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) كيف مَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْرَاكِ؟

(قُلْتُ) لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ) مُعْطِيًا مَعْنَى نَفْيِ خُرُوجِهِمْ وَاسْتِعْدَادِهِمْ لِلْغَزْوِ. قِيلَ: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا خَرَجُوا وَلَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الْخُرُوجِ لِكَرَاهَةِ انْبِعَاثِهِمْ، كَمَا تَقُولُ:

مَا أَحْسَنَ إِلَيَّ زِيدٌ وَلَكِنْ أَسَاءَ إِلَيَّ. انْتَهَى.

وَلَيْسَتِ الْآيَةُ نَظِيرَ هَذَا الْمِثَالِ، لِأَنَّ الْمِثَالَ وَاقِعٌ فِيهِ لَكِنْ بَيْنَ ضِدَّيْنِ، وَالْآيَةُ وَاقِعٌ فِيهَا لَكِنْ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى،.

وَالِانْبِعَاثُ الِانْطِلَاقُ وَالنُّهُوضُ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَثَبَّطَهُمْ كَسَلُهُمْ وَفتر نِيَّاتِهِمْ.

وَبُنِيَ (وَقِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ: إِذْنَ الرَّسُولِ لَهُمْ فِي الْقُعُودِ، أَوْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إِمَّا لَفْظًا وَإِمَّا مَعْنًى، أَوْ حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ فِي سَابِقِ قَضَائِهِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ إِلْقَاءَ اللَّهِ تَعَالَى فِي قُلُوبِهِمْ كَرَاهَةَ الْخُرُوجِ أَمْرًا بِالْقُعُودِ.

وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الشَّيْطَانِ بِالْوَسْوَسَةِ.

قَالَ: (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ جَازَ أَنْ يُوقِعَ اللَّهُ تَعَالَى فِي نُفُوسِهِمْ كَرَاهَةَ الْخُرُوجِ إِلَى الْغَزْوِ وَهِيَ قَبِيحَةٌ، وَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ إِلْهَامِ الْقَبِيحِ؟

(قُلْتُ) خُرُوجُهُمْ كَانَ مَفْسَدَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا) فَكَانَ إِيقَاعُ كَرَاهَةِ ذَلِكَ الْخُرُوجِ فِي نُفُوسِهِمْ حَسَنًا وَمَصْلَحَةً انْتَهَى.

وَهَذَا السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ عَلَى طَرِيقَةِ الِاعْتِزَالِ فِي الْمَفْسَدَةِ وَالْمَصْلَحَةِ.

وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ ذَمٌّ لَهُمْ وَتَعْجِيزٌ، وَإِلْحَاقٌ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ شَأْنُهُمُ الْقُعُودُ وَالْجُثُومُ فِي الْبُيُوتِ، وَهُمُ الْقَاعِدُونَ وَالْخَالِفُونَ وَالْخَوَالِفُ، وَيُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ)

وَالْقُعُودُ هُنَا عِبَارَةٌ عَنِ التَّخَلُّفِ وَالتَّرَاخِي كَمَا قَالَ:

دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا ... وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت