فهرس الكتاب

الصفحة 2735 من 4059

{وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(54)}

الْجُمْهُورُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ نَهَى اللَّهُ عَنْ طَرْدِهِمْ فَكَانَ إِذَا رَآهُمْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أَبْدَأُهُمْ بِالسَّلَامِ.

وَقِيلَ: الَّذِينَ صَوَّبُوا رَأْيَ أَبِي طَالِبٍ فِي طَرْدِ الضَّعَفَةِ.

وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: قَالَ قَوْمٌ: قَدْ أَصَبْنَا ذُنُوبًا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ فَنَزَلَتْ.

وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي عُمَرَ حِينَ أَشَارَ بِإِجَابَةِ الْكَفَرَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا مَفْسَدَةٌ.

وَعَلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ يَكُونُ تَفْسِيرُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ فَإِنْ كَانَ عَنَى بِهِمُ السِّتَّةَ الَّذِينَ نَهَى عَنْ طَرْدِهِمْ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْعَامِّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ وَيَكُونُ قَوْلُهُ (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أَمْرًا بِإِكْرَامِهِمْ وَتَنْبِيهًا عَلَى خُصُوصِيَّةِ تَشْرِيفِهِمْ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْإِكْرَامِ وَإِنْ كَانَ عَنَى عُمَرَ حِينَ اعْتَذَرَ وَاسْتَغْفَرَ وَقَالَ: مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ كَانَ مِنْ إِطْلَاقِ الْجَمْعِ عَلَى الْوَاحِدِ الْمُعَظَّمِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ لَا بِالسِّتَّةِ وَلَا بِغَيْرِهِمْ وَإِنَّهَا اسْتِئْنَافُ إِخْبَارٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ تَقَصِّي خَبَرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَى عَنْ طَرْدِهِمْ وَلَوْ كَانُوا إِيَّاهُمْ لَكَانَ التَّرْكِيبُ الْأَحْسَنُ، وَإِذَا جَاءُوك وَالْآيَاتُ هُنَا آيَاتُ الْقُرْآنِ وَعَلَامَاتُ النُّبُوَّةِ.

وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: السَّلَامُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَمْعُهُ سَلَامَةٌ وَمَصْدَرٌ وَاسْمُ شَجَرٍ.

وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَصْدَرٌ لِسَلَّمَ تَسْلِيمًا وَسَلَامًا كَالسَّرَاحِ مِنْ سَرَّحَ وَالْأَدَاءِ مِنْ أَدَّى.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ: أُمِرَ بِابْتِدَاءِ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ تَشْرِيفًا لَهُمْ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أُمِرَ بِإِبْلَاغِ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ.

وَقِيلَ: مَعْنَى السَّلَامِ هُنَا الدُّعَاءُ مِنَ الْآفَاتِ.

وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: السَّلَامُ وَالتَّحِيَّةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَمَعْنَى السَّلَامِ عَلَيْكُمْ حَيَّاكُمُ اللَّهُ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ أُمِرَ بِتَبْلِيغِ سَلَامِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أُمِرَ بِأَنْ يَبْدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ إِكْرَامًا لَهُمْ وَتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظُهُ لَفْظُ الْخَبَرِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ وَهَذَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي جَازَ فِيهَا الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ إِذْ قَدْ تَخَصَّصَتْ انْتَهَى.

وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أَنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ إِذْ قَدْ تَخَصَّصَتْ أَيِ اسْتُعْمِلَتْ، فِي الدُّعَاءِ فَلَمْ تَبْقَ النَّكِرَةُ عَلَى مُطْلَقِ مَدْلُولِهَا الْوَصْفِيِّ إِذْ قَدِ اسْتُعْمِلَتْ يُرَادُ بِهَا أَحَدُ مَا تَحْتَمِلُهُ النَّكِرَةُ.

(كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)

أَيْ أَوْجَبَهَا وَالْبَارِئُ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ عَقْلًا إِلَّا إِذَا أَعْلَمَنَا أَنَّهُ حَتَمَ بِشَيْءٍ فَذَلِكَ الشَّيْءُ وَاجِبٌ.

وَقِيلَ: كَتَبَ وَعَدَ وَالْكَتْبُ هُنَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.

وَقِيلَ: فِي كِتَابٍ غَيْرِهِ،

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»

وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَأْمُورٌ بِقَوْلِهَا تَبْشِيرًا لَهُمْ بِسَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَتَفْرِيحًا لِقُلُوبِهِمْ.

(أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ)

السُّوءُ: قِيلَ: الشِّرْكُ.

وَقِيلَ الْمَعَاصِي، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ عَمَلِ السُّوءِ بِجَهَالَةٍ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ) فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.

(ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

أَيْ مِنْ بَعْدِ عَمَلِ السُّوءِ وَأَصْلَحَ شَرَطَ اسْتِدَامَةَ الْإِصْلَاحِ فِي الشَّيْءِ الَّذِي تَابَ مِنْهُ.

قَرَأَ عَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَتَيْنِ فَالْأُولَى بَدَلٌ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالثَّانِيَةُ خبر مبتدأ محذوف تقديره فَأَمْرُهُ أَنَّهُ أَيْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُ.

وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْأَخَوَانِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِيهِمَا الْأُولَى عَلَى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لِلرَّحْمَةِ وَالثَّانِيَةُ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ أَوِ الْجَوَابِ.

وَقَرَأَ نَافِعٌ بِفَتْحِ الْأُولَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَيْضًا.

وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ حَكَاهَا الزَّهْرَاوِيُّ عَنِ الْأَعْرَجِ.

وَحَكَى سِيبَوَيْهِ عَنْهُ مِثْلَ قِرَاءَةِ نَافِعٍ.

وَقَالَ الدَّانِي: قِرَاءَةُ الْأَعْرَجِ ضِدُّ قراءة نافع وبِجَهالَةٍ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ أَيْ وَهُوَ جَاهِلٌ

(فائدة)

وَمَا أَحْسَنَ مَسَاقَ هَذَا الْمَقُولِ أَمَرَهُ أَوَّلًا أَنْ يَقُولَ لِلْمُؤْمِنِينَ (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) فَبَدَأَ أَوَّلًا بِالسَّلَامَةِ وَالْأَمْنِ لِمَنْ آمَنَ ثُمَّ خَاطَبَهُمْ ثَانِيًا بِوُجُوبِ الرَّحْمَةِ وَأَسْنَدَ الْكِتَابَةَ إِلَى رَبِّهِمْ أَيْ كَتَبَ النَّاظِرُ لَكُمْ فِي مَصَالِحِكُمْ وَالَّذِي يُرَبِّيكُمْ وَيَمْلِكُكُمُ الرَّحْمَةَ فَهَذَا تَبْشِيرٌ بِعُمُومِ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ أَبْدَلَ مِنْهَا شَيْئًا خَاصًّا وَهُوَ غُفْرَانُهُ وَرَحْمَتُهُ لِمَنْ تَابَ وَأَصْلَحَ.

وَاسْتَدَلَّ الْمُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: (كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ الْكُفْرَ فِي الْكَافِرِ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ تُنَافِي ذَلِكَ وَتُنَافِي تَعْذِيبَهُ أَبَدَ الْآبَادِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت