فهرس الكتاب

الصفحة 2237 من 4059

{وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) }

قِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَكْثَمِ بْنِ صَيْفِيِّ، وَلَمَّا رَغَّبَ تَعَالَى فِي الْهِجْرَةِ ذَكَرَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ وُجُودِ السَّعَةِ وَالْمَذَاهِبِ الْكَثِيرَةِ، لِيَذْهَبَ عَنْهُ مَا يَتَوَهَّمُ وُجُودَهُ فِي الْغُرْبَةِ وَمُفَارَقَةِ الْوَطَنِ مِنَ الشِّدَّةِ، وَهَذَا مُقَرَّرُ مَا قَالَتْهُ الْمَلَائِكَةُ: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها.

الْمُرَاغَمُ: مَكَانُ الْمُرَاغَمَةِ، وَهِيَ: أَنْ يُرْغِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَنَازِعِينَ بِحُصُولِهِ فِي مَنَعَةٍ مِنْهُ أَنْفَ صَاحِبِهِ بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى مُرَادِهِ يُقَالُ: رَاغَمْتُ فُلَانًا إِذَا فَارَقْتَهُ وَهُوَ يَكْرَهُ مُفَارَقَتَكَ لِمَذَلَّةٍ تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ. وَالرَّغْمُ الذُّلُّ وَالْهَوَانُ، وَأَصْلُهُ: لُصُوقُ الْأَنْفِ بِالرِّغَامِ، وَهُوَ التُّرَابُ.

وَمَعْنَى مُرَاغَمًا: مُتَحَوَّلًا وَمَذْهَبًا.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُزَحْزَحُ عَمَّا يَكْرَهُ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمُهَاجَرُ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمُبْتَغَى لِلْمَعِيشَةِ.

وَالسِّعَةُ هُنَا فِي الرِّزْقِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: سَعَةٌ مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى، وَمِنَ الْقِلَّةِ إِلَى الْغِنَى.

وَقَالَ مَالِكٌ: السِّعَةُ سَعَةُ الْبِلَادِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْمُشْبِهُ لِفَصَاحَةِ الْعَرَبِ أَنْ يُرِيدَ سَعَةَ الْأَرْضِ وَكَثْرَةَ الْمَعَاقِلِ، وَبِذَلِكَ تَكُونُ السَّعَةُ فِي الرِّزْقِ وَاتِّسَاعِ الصَّدْرِ عَنْ هُمُومِهِ وَفِكْرِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْفَرَحِ. انْتَهَى.

وَقَدَّمَ مُرَاغَمَةَ الْأَعْدَاءِ عَلَى سَعَةِ الْعَيْشِ، لِأَنَّ الِابْتِهَاجَ بِرَغْمِ أُنُوفِ الْأَعْدَاءِ لِسُوءِ مُعَامَلَتِهِمْ أَشَدُّ مِنْ الِابْتِهَاجِ بِالسَّعَةِ.

(وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)

قِيلَ: نَزَلَتْ فِي جُنْدُبِ بْنِ ضَمْرَةَ وَتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ قَبْلُ.

وَقِيلَ: فِي ضَمْرَةِ بْنِ بَغِيضٍ.

وَقِيلَ: أَبُو بَغِيضٍ ضَمْرَةُ بْنُ زِنْبَاعٍ الْخُزَاعِيُّ.

وَقِيلَ: خَالِدُ بْنُ حَرَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ أَخُو حَكِيمِ بْنِ حَرَامٍ خَرَجَ مُهَاجِرًا إِلَى الْحَبَشَةِ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ.

وَقِيلَ: ضَمْرَةُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ نُعَيْمٍ.

وَقِيلَ: ضَمْرَةُ بْنُ خُزَاعَةَ.

وَقِيلَ: رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ هَاجَرَ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ، فَسَخِرَ مِنْهُ قَوْمُهُ فَقَالُوا: لَا هُوَ بَلَغَ مَا يُرِيدُ، وَلَا هُوَ أَقَامَ فِي أَهْلِهِ حَتَّى دُفِنَ.

وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ بَغِيضٍ، أَوْ بَغِيضُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ الزِّنْبَاعِ، لِأَنَّ عِكْرِمَةَ سَأَلَ عَنْهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَصَحَّحَهُ.

وَجَوَابُ الشَّرْطِ (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) وَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي ثُبُوتِ الْأَجْرِ وَلُزُومِهِ، وَوُصُولِ الثَّوَابِ إِلَيْهِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَتَكْرِيمًا، وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْوُقُوعِ مُبَالَغَةً.

(فائدة)

وَقَالُوا: كُلُّ هِجْرَةٍ لِغَرَضٍ دِينِيٍّ مِنْ: طَلَبِ عِلْمٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ جِهَادٍ، أَوْ فِرَارٍ إِلَى بَلَدٍ يَزْدَادُ فِيهِ طَاعَةً، أَوْ قَنَاعَةً، وَزُهْدًا فِي الدُّنْيَا، أَوِ ابْتِغَاءَ رِزْقٍ طَيِّبٍ، فَهِيَ هِجْرَةٌ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

وَإِنْ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَجْرُهُ واقع عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.

قِيلَ: وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَازِيَ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْغَزْوِ وَمَاتَ قَبْلَ الْقِتَالِ فَلَهُ سَهْمُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْحَرْبَ.

رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَقَالُوا: إِذَا لَمْ يُحْرَمِ الْأَجْرَ لَمْ يُحْرَمِ الْغَنِيمَةَ.

وَلَا تَدُلُّ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ لَا تُسْتَحَقُّ إِلَّا بَعْدَ الْحِيَازَةِ، فَالسَّهْمُ مُتَعَلّقٌ بِالْحِيَازَةِ، وَهَذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَغْنَمَ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِ: (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ مَاتَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ خَرَجَ إِلَى الْغَزْوِ وَمَا دَخَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ، وَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ كَمَا وَقَعَ أَجْرُ الَّذِي خَرَجَ مُهَاجِرًا فَمَاتَ قَبْلَ بُلُوغِهِ دَارَ الْهِجْرَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت