قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَيْلِهِ بِقَلْبِهِ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا انْتَهَى.
وَنَبَّهَ تَعَالَى عَلَى انْتِفَاءِ اسْتِطَاعَةِ الْعَدْلِ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالتَّسْوِيَةِ حَتَّى لَا يَقَعَ مَيْلٌ ألْبَتَّةَ، ولا زيادة ولا نقصان فِيمَا يَجِبُ لَهُنَّ، وَفِي ذَلِكَ عُذْرٌ لِلرِّجَالِ فِيمَا يَقَعُ مِنَ التَّفَاوُتِ فِي الْمَيْلِ الْقَلْبِيِّ، وَالتَّعَهُّدِ، وَالنَّظَرِ، وَالتَّأْنِيسِ، وَالْمُفَاكَهَةِ. فَإِنَّ التَّسْوِيَةَ في ذلك محال خَارِجٌ عَنْ حَدِّ الِاسْتِطَاعَةِ، وَعَلَّقَ انْتِفَاءَ الِاسْتِطَاعَةِ فِي التَّسْوِيَةِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْحِرْصِ مِنَ الْإِنْسَانِ عَلَى ذَلِكَ.
وَقِيلَ: مَعْنَى أَنْ تَعْدِلُوا فِي الْمَحَبَّةِ قَالَهُ: عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ.
وَقِيلَ: فِي التَّسْوِيَةِ وَالْقَسَمِ.
وَقِيلَ: فِي الْجِمَاعِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ «أَنَّهُ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمَلِكُ»
يَعْنِي الْمَحَبَّةَ، لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ.
وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قَلْبِي فَلَا أَمْلِكُهُ، وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَأَرْجُو أَنْ أَعْدِلَ فِيهِ.
(فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ)
نَهَى تَعَالَى عَنِ الجور على المرغوب عنها بمنع قسمتها من غير رضا منها، واجتناب كل الميل داخل في الوسع، ولذلك وقع النهي عنه أَيْ: إِنْ وَقَعَ مِنْكُمُ التَّفْرِيطُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُسَاوَاةِ فَلَا تَجُورُوا كُلَّ الْجَوْرِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ يَمِيلُ مَعَ إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ»
وَالْمَعْنَى: يَمِيلُ مَعَ إِحْدَاهُمَا كُلَّ الْمَيْلِ، لَا مُطْلَقَ الْمَيْلِ.
وَقَدْ فَاضَلَ عُمَرُ فِي عَطَاءٍ بَيْنَ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَبَتْ عَائِشَةُ وَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْدِلُ بيننا في القسمة بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ، فَسَاوَى عُمَرُ بَيْنَهُنَّ.
وَكَانَ لِمُعَاذٍ امْرَأَتَانِ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ إِحْدَاهُمَا لَمْ يَتَوَضَّأْ فِي بَيْتِ الْأُخْرَى، فَمَاتَتَا فِي الطَّاعُونِ فَدَفَنَهُمَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
(وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا)
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِنْ تُصْلِحُوا مَا مَضَى مِنْ قِبَلِكُمْ وَتَتَدَارَكُوهُ بِالتَّوْبَةِ، وَتَتَّقُوا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ، غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ انْتَهَى.
وَفِي ذَلِكَ نَزْغَةُ الِاعْتِزَالِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَإِنْ تُصْلِحُوا مَا أَفْسَدْتُمْ بِسُوءِ الْعِشْرَةِ، وَتَلْزَمُوا مَا يَلْزَمُكُمْ مِنَ الْعَدْلِ فِيمَا تَمْلِكُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا لِمَا تَمْلِكُونَهُ مُتَجَاوِزًا عَنْهُ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: (غَفُورًا) لِمَا سَلَفَ مِنْكُمْ مِنَ الْمَيْلِ كُلَّ الْمَيْلِ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا هِيَ مَغْفِرَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ وَاقَعُوا الْمَحْظُورَ فِي مُدَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(لطيفة)
وَخَتَمَتْ تِلْكَ بِالْإِحْسَانِ، وَهَذِهِ بِالْإِصْلَاحِ. لِأَنَّ الْأُولَى فِي مَنْدُوبٍ إِلَيْهِ إِذْ لَهُ أَنْ لَا يُحْسِنَ وَأَنْ يَشِحَّ وَيُصَالِحَ بِمَا يُرْضِيهِ، وَهَذِهِ فِي لَازِمٍ، إِذْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يُصْلِحَ، بَلْ يَلْزَمُهُ الْعَدْلُ فِيمَا يَمْلِكُ.