فهرس الكتاب

الصفحة 1464 من 4059

{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ(3)}

(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ)

الْكِتَابَ هُنَا: الْقُرْآنُ، بِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ، وَتَكَرَّرَ كَثِيرًا، وَالْمُرَادُ الْقُرْآنُ، فَصَارَ عِلْمًا. بِالْغَلَبَةِ.

وَأَتَى هُنَا بِذِكْرِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (عَلَيْكَ) وَلَمْ يَأْتِ بِذِكْرِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ، وَلَا الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ الْإِنْجِيلُ، تَخْصِيصًا لَهُ وَتَشْرِيفًا بِالذِّكْرِ، وَجَاءَ بِذِكْرِ الْخِطَابِ لِمَا فِي الْخِطَابِ مِنَ الْمُؤَانَسَةِ، وَأَتَى بِلَفْظَةِ: عَلَى، لِمَا فِيهَا مِنِ الِاسْتِعْلَاءِ. كَأَنَّ الْكِتَابَ تَجَلَّلَهُ وَتَغَشَّاهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَمَعْنَى: بِالْحَقِّ: بِالْعَدْلِ.

قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعَدْلُ فِيمَا اسْتَحَقَّهُ عَلَيْكَ مَنْ حَمْلِ أَثْقَالِ النُّبُوَّةِ.

الثَّانِي: بِالْعَدْلِ فِيمَا اخْتَصَّكَ بِهِ مِنْ شَرَفِ النُّبُوَّةِ.

وَقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ.

وَقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنِ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ.

وَقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْوَعْدِ بِالثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَمِنَ الْوَعِيدِ بِالْعِقَابِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.

وَقِيلَ: مَعْنَى بِالْحَقِّ: بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ.

وَالْبَاءُ: تَحْتَمِلُ السَّبَبِيَّةَ أَيْ: بِسَبَبِ إِثْبَاتِ الْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ الْحَالَ، أَيْ: مُحِقًّا نَحْوُ:

خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلَاحِهِ، أَيْ مُتَسَلِّحًا.

(مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ)

أَيْ: مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَصْدِيقُهُ إِيَّاهَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْ بِمَجِيئِهِ، وَوُقُوعُ الْمُخْبَرِ بِهِ يَجْعَلُ الْمُخْبِرَ صَادِقًا، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يُوَافِقْهَا.

قَالَهُ أَبُو مُسْلِمٍ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ، إِلَّا بِالدُّعَاءِ إِلَى تَوْحِيدِهِ، وَالْإِيمَانِ، وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَالْأَمْرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَالشَّرَائِعِ الَّتِي هِيَ صَلَاحُ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ. فَالْقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِتِلْكَ الْكُتُبِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَالْقُرْآنُ، وَإِنْ كَانَ نَاسِخًا لِشَرَائِعِ أَكْثَرِ الْكُتُبِ، فَهِيَ مُبَشِّرَةٌ بِالْقُرْآنِ وَبِالرَّسُولِ، وَدَالَّةٌ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَهَا تَثْبُتُ إِلَى حِينِ بِعْثَةِ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى الله عليه وسلم، وَأَنَّهَا تَصِيرُ مَنْسُوخَةً عِنْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ. فَقَدْ وَافَقَتِ الْقُرْآنَ، وَكَانَ مُصَدِّقًا لَهَا لِأَنَّ الدَّلَائِلَ الدَّالَّةَ عَلَى ثُبُوتِ الْإِلَهِيَّةِ لَا تَخْتَلِفُ.

(وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ)

وَغَايَرَ بَيْنَ نَزَّلَ وَأَنْزَلَ، وَإِنْ كَانَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، إِذِ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ، كَمَا أَنَّ الْهَمْزَةَ لِلتَّعْدِيَةِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ قِيلَ: نَزَّلَ الْكِتَابَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ؟.

قُلْتُ: لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا، وَنَزَلَ الْكِتَابَانِ جُمْلَةً. انْتَهَى.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ على هذا القول. وإن التَّعْدِيَةَ بِالتَّضْعِيفِ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَلَا التَّنْجِيمِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: نَزَّلَ وَأَنْزَلَ.

قَالَ تَعَالَى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ) (وأَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ)

وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ مَا كَانَ: مِمَّنْ يَنْزِلُ، مُشَدِّدًا بِالتَّخْفِيفِ، إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى التَّنْجِيمِ، وَالْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى النُّزُولِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، لِتَنَاقُضِ الْإِخْبَارِ. وَهُوَ مُحَالٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت