فهرس الكتاب

الصفحة 1131 من 4059

{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) }

(وَالْمُطَلَّقاتُ) مبتدأ ويَتَرَبَّصْنَ خَبَرٌ عَنِ الْمُبْتَدَأِ، وَصُورَتُهُ صُورَةُ الْخَبَرِ، وَهُوَ أَمْرٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى.

وَقِيلَ: هُوَ أَمْرٌ لَفْظًا وَمَعْنًى عَلَى إِضْمَارِ اللَّامِ أَيْ: لِيَتَرَبَّصْنَ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ.

وَقِيلَ: وَالْمُطَلَّقَاتُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: وَحُكْمُ الْمُطَلَّقَاتِ وَيَتَرَبَّصْنَ عَلَى حَذْفِ: أَنْ، حَتَّى يَصِحَّ خَبَرًا عَنْ ذَلِكَ الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ، التَّقْدِيرُ: وَحُكْمُ الْمُطَلَّقَاتِ أَنْ يَتَرَبَّصْنَ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، بَعْدَ أَنْ قَالَ: هُوَ خَبَرٌ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ.

قَالَ: فَإِخْرَاجُ الْأَمْرِ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ تَأْكِيدُ الْأَمْرِ وَإِشْعَارٌ بِأَنَّهُ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُتَلَقَّى بِالْمُسَارَعَةِ إِلَى امْتِثَالِهِ، فَكَأَنَّهُنَّ امْتَثَلْنَ الْأَمْرَ بِالتَّرَبُّصِ، فَهُوَ يُخْبِرُ عَنْهُ، مَوْجُودًا، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُمْ فِي الدُّعَاءِ: رَحِمَهُ اللَّهُ، أُخْرِجَ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ عَنِ اللَّهِ ثِقَةً بِالِاسْتِجَابَةِ، كَأَنَّمَا وُجِدَتِ الرَّحْمَةُ فَهُوَ يُخْبِرُ عَنْهَا، وَبِنَاؤُهُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ مِمَّا زَادَ فَضْلُ تَأْكِيدٍ، وَلَوْ قِيلَ: وَيَتَرَبَّصْنَ الْمُطَلَّقَاتُ، لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الْوِكَادَةِ. انْتَهَى.

وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْجُمْلَةُ الِابْتِدَائِيَّةُ فِيهَا زِيَادَةُ تَوْكِيدٍ عَلَى جُمْلَةِ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ لِتَكْرَارِ الِاسْمِ فِيهَا مَرَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا بِظُهُورِهِ، وَالْأُخْرَى بِإِضْمَارِهِ، وَجُمْلَةُ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ يُذْكَرُ فِيهَا الِاسْمُ مَرَّةً وَاحِدَةً.

وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكْتُمَ الْمَرْأَةُ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي رَحِمِهَا مِنْ حَمْلٍ وَلَا حيض، وفيه تغليط، وَإِنْكَارٌ.

وَالضَّمِيرُ فِي: (بُعُولَتِهِنَّ) عَائِدٌ عَلَى الْمُطَلَّقَاتِ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالرَّجْعِيَّاتِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خُصُوصَ آخِرِ اللَّفْظِ لَا يَمْنَعُ عُمُومَ أَوَّلِهِ وَلَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَالْمُطَلَّقَاتُ، عَامٌّ فِي الْمَبْتُوتَاتِ وَالرَّجْعِيَّاتِ، وَ: بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ، خَاصٌّ فِي الرَّجْعِيَّاتِ، وَنَظِيرُهُ عِنْدَهُمْ (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا) فَهَذَا عُمُومٌ، ثُمَّ قَالَ: (وَإِنْ جاهَداكَ) وَهَذَا خَاصٌّ فِي الْمُشْرِكِينَ.

(وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)

أَيْ: مَزِيَّةٌ وَفَضِيلَةٌ فِي الْحَقِّ، أَتَى بِالْمُظْهَرِ عِوَضُ الْمُضْمَرِ إِذْ كَانَ لَوْ أَتَى عَلَى الْمُضْمَرِ لَقَالَ: وَلَهُمْ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، لِلتَّنْوِيهِ بِذِكْرِ الرُّجُولِيَّةِ الَّتِي بِهَا ظَهَرَتِ الْمَزِيَّةُ لِلرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، وَلِمَا كَانَ يَظْهَرُ فِي الْكَلَامِ بِالْإِضْمَارِ مِنْ تَشَابُهِ الْأَلْفَاظِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي ذَاكَ، إِذْ كَانَ يَكُونُ: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَهُمْ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، وَلِقَلَقِ الْإِضْمَارِ حُذِفَ مُضْمَرَانِ وَمُضَافَانِ مِنَ الجملة الأولى.

و: الدرجة، هُنَا فَضْلُهُ عَلَيْهَا فِي الْمِيرَاثِ، وَبِالْجِهَادِ.

قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَوْ: بِوُجُوبِ طَاعَتِهَا إِيَّاهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ طَاعَتُهَا، أَوْ: بِالصَّدَاقِ، وَجَوَازِ ملاعنته إِنْ قَذَفَ، وَحَدِّهَا إِنْ قَذَفَتْ، أَوْ: بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا بِالْإِنْفَاقِ وَغَيْرِهِ، وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ، أَوْ: بِمِلْكِ الْعِصْمَةِ وَأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ، أو: بِمَا يَمْتَازُ مِنْهَا كَاللِّحْيَةِ، أَوْ: بِمِلْكِ الرَّجْعَةِ أَوْ بِالْإِجَابَةِ إِلَى فِرَاشِهِ إِذَا دَعَاهَا، وَهَذَا دَاخِلٌ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي: أَوْ: بِالْعَقْلِ، أَوْ بِالدِّيَانَةِ، أَوْ بِالشَّهَادَةِ، أَوْ بِقُوَّةِ الْعِبَادَةِ، أَوْ بِالذُّكُورِيَّةِ، أَوْ لِكَوْنِ الْمَرْأَةِ خُلِقَتْ مِنَ الرَّجُلِ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَوْ: بِالسَّلَامَةِ مِنْ أَذَى الْحَيْضِ وَالْوِلَادَةِ وَالنِّفَاسِ، أو بالتزويج عَلَيْهَا وَالتَّسَرِّي، وَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، أَوْ بِكَوْنِهِ يَعْقِلُ فِي الدِّيَةِ بِخِلَافِهَا، أَوْ بِكَوْنِهِ إِمَامًا بِخِلَافِهَا.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تِلْكَ الدَّرَجَةُ إِشَارَةٌ إِلَى حَضِّ الرِّجَالِ عَلَى حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَالتَّوَسُّعِ لِلنِّسَاءِ فِي الْمَالِ وَالْخُلُقِ، أَيْ: أَنَّ الْأَفْضَلَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَامَلَ عَلَى نَفْسِهِ. انْتَهَى.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الدَّرَجَةَ هِيَ مَا تُرِيدُهُ النِّسَاءُ مِنَ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَالطَّوَاعِيَةِ وَالتَّبْجِيلِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ مِثْلَ مَا لِلْآخَرِ عَلَيْهِ، اقْتَضَى ذَلِكَ الْمُمَاثَلَةَ، فَبَيَّنَ أَنَّهُمَا، وَإِنْ تَمَاثَلَا فِي مَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ، فَعَلَيْهِنَّ مَزِيدُ إِكْرَامٍ وَتَعْظِيمٍ لِرِجَالِهِنَّ، وَأَشَارَ إِلَى الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ: وَهُوَ كَوْنُهُ رَجُلًا يُغَالِبُ الشَّدَائِدَ وَالْأَهْوَالَ، وَيَسْعَى دَائِمًا فِي مَصَالِحِ زَوْجَتِهِ، وَيَكْفِيهَا تَعَبَ الِاكْتِسَابِ، فَبِإِزَاءِ ذَلِكَ صَارَ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ لِلرَّجُلِ فِي مُبَالَغَةِ الطَّوَاعِيَةِ، وَفِيمَا يُفْضِي إِلَى الِاسْتِرَاحَةِ عِنْدَهَا.

وَمُلَخَّصُ مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ، يَقْتَضِي أَنَّ لِلرَّجُلِ دَرَجَةً تَقْتَضِي التَّفْضِيلَ.

(وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)

وَخَتَمَ الْآيَةَ بِهِمَا لِأَنَّهُ تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ مَا مَعْنَاهُ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: (يَتَرَبَّصْنَ) وَالنَّهْيُ فِي قَوْلِ: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ) وَالْجَوَازُ فِي قَوْلِهِ: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ) وَالْوُجُوبُ فِي قَوْلِهِ: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ) نَاسَبَ وَصْفَهُ تَعَالَى بِالْعِزَّةِ وَهُوَ الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ، وَهِيَ تُنَاسِبُ التَّكْلِيفَ.

وَنَاسَبَ وَصْفَهُ بِالْحِكْمَةِ وَهِيَ إِتْقَانُ الْأَشْيَاءِ وَوَضْعُهَا عَلَى مَا يَنْبَغِي، وَهِيَ تُنَاسِبُ التَّكْلِيفَ أَيْضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت