فهرس الكتاب

الصفحة 3561 من 4059

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ(50)أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ(51)}

تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أَرَأَيْتُمْ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَقَرَّرْنَا هُنَاكَ أَنَّ الْعَرَبَ تُضَمِّنُ أَرَأَيْتَ مَعْنَى أَخْبِرْنِي، وَأَنَّهَا تَتَعَدَّى إِذْ ذَاكَ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَأَنَّ الْمَفْعُولَ الثَّانِي أَكْثَرُ مَا يَكُونُ جُمْلَةَ اسْتِفْهَامٍ ينعقد منها مع قَبْلَهَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ كَقَوْلِ الْعَرَبُ: أَرَأَيْتَ زَيْدًا مَا صَنَعَ: الْمَعْنَى: أَخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ مَا صَنَعَ. وَقَبْلَ دُخُولِ أَرَأَيْتَ كَانَ الْكَلَامُ: زَيْدٌ مَا صَنَعَ؟

وَالْمَعْنَى: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرُونِي عَنْ عَذَابَ اللَّهِ إِنْ أَتَاكُمْ أَيُّ شَيْءٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنْهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْعَذَابِ يستعجله عاقل، إذا الْعَذَابُ كُلُّهُ مُرُّ الْمَذَاقِ مُوجِبٌ لِنِفَارِ الطَّبْعِ مِنْهُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِ جَاءَتْ عَلَى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ بِهِمْ، وَالتَّنْبِيهِ لَهُمْ أَنَّ الْعَذَابَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْجِلَ.

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ جَاءَتْ عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ وَالتَّهْوِيلِ لِلْعَذَابِ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ شَدِيدٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنْهُ، أَيْ: مَا أَشَدَّ وَأَهْوَلَ مَا تَسْتَعْجِلُونَ مِنَ الْعَذَابِ.

وَقَالَ الْحَوْفِيُّ: الرُّؤْيَةُ مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ الَّتِي بِمَعْنَى الْعِلْمِ، لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ وَمَعْنَاهَا التَّقْرِيرُ. وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: أَرَأَيْتُمْ مَا يستعجل مِنَ الْعَذَابِ الْمُجْرِمُونَ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ انْتَهَى.

فَظَاهِرُ كَلَامِ الْحَوْفِيِّ: أَنَّ أَرَأَيْتُمْ بَاقِيَةٌ عَلَى مَوْضُوعِهَا الْأَوَّلِ لَمْ تُضَمَّنْ مَعْنَى أَخْبِرُونِي، وَأَنَّهَا بِمَعْنَى أَعَلِمْتُمْ، وَأَنَّ جملة الاستفهام سدت مسد الْمَفْعُولَيْنِ، وَأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّقْرِيرُ، وَلَمْ يُبَيِّنِ الْحَوْفِيُّ مَا يُفِيدُ جَوَابَ الشَّرْطِ الْمَحْذُوفَ.

وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ: (بَياتًا) فِي الْأَعْرَافِ مَدْلُولًا وَإِعْرَابًا.

وَالْمَعْنَى إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ وَأَنْتُمْ سَاهُونَ غَافِلُونَ، إِمَّا بِنَوْمٍ وَإِمَّا بِاشْتِغَالٍ بِالْمَعَاشِ وَالْكَسْبِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: (بَغْتَةً) لِأَنَّ الْعَذَابَ إِذَا فَاجَأَ مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ كَانَ أَشَدَّ وَأَصْعَبَ، بِخِلَافِ أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ وتهيئ لِحُلُولِهِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ) (ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) .

وَيَجُوزُ فِي مَاذَا أَنْ يَكُونَ مَا مُبْتَدَأً وَذَا خَبَرَهُ، وَهُوَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَيَسْتَعْجِلُ صِلَتُهُ، وَحَذْفِ الضَّمِيرِ الْعَائِدِ عَلَى الْمَوْصُولِ التَّقْدِيرُ أَيُّ: شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُهُ مِنَ الْعَذَابِ الْمُجْرِمُونَ.

وَيَجُوزُ فِي مَاذَا أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ مَفْعُولًا كَأَنَّهُ قِيلَ: أَيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُهُ مِنَ الْعَذَابِ الْمُجْرِمُونَ.

وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ مَاذَا كُلُّهُ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ الْجُمْلَةُ بَعْدَهُ. وَضَعَّفَهُ أَبُو عَلِيٍّ لِخُلُوِّ الْجُمْلَةِ مِنْ ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ.

وَالظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي (مِنْهُ) عَلَى الْعَذَابِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الرَّبْطُ لِجُمْلَةِ الِاسْتِفْهَامِ بِمَفْعُولِ أَرَأَيْتُمُ الْمَحْذُوفِ الَّذِي هُوَ مُبْتَدَأٌ فِي الْأَصْلِ.

وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.

وَالْمُجْرِمُونَ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ فِي قَوْلِهِ: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ) . وَنَبَّهَ عَلَى الْوَصْفِ الْمُوجِبِ لِتَرْكِ الِاسْتِعْجَالِ وَهُوَ الْإِجْرَامُ، لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الْمُجْرِمِ أَنْ يَخَافَ التَّعْذِيبَ عَلَى إِجْرَامِهِ، وَيَهْلَكَ فَزَعًا مِنْ مَجِيئِهِ وَإِنْ أَبْطَأَ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ؟

وَ (ثُمَّ) حَرْفُ عَطْفٍ وَتَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَتْ عَلَى الْوَاوِ وَالْفَاءِ فِي: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا) وَفِي (أَوَلَمْ يَسِيرُوا) وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. وَخِلَافُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِلْجَمَاعَةِ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَحَرْفِ الْعَطْفِ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً عُطِفَتْ عَلَيْهَا الْجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ.

وَقَالَ الطَّبَرِيُّ فِي قَوْلِهِ: (أَثُمَّ) بِضَمِّ الثَّاءِ، أَنَّ مَعْنَاهُ أَهُنَالِكَ قَالَ: وَلَيْسَتْ ثُمَّ هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى الْعَطْفِ انْتَهَى.

وَمَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ أَنَّ (ثُمَّ) هُنَا لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ دَعْوَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْمَعْنَى أَهُنَالِكَ، فَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، لَا أَنَّ (ثُمَّ) الْمَضْمُومَةَ الثَّاءِ مَعْنَاهَا مَعْنَى هُنَالِكَ.

وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (أَثَمَّ) بِفَتْحِ الثَّاءِ، وَهَذَا يُنَاسِبُهُ تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ أَهُنَالِكَ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (آلْآنَ) عَلَى الِاسْتِفْهَامِ بِالْمَدِّ، وَكَذَا (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ) .

وَقَرَأَ طَلْحَةُ وَالْأَعْرَجُ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وَهُوَ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ أَيْ: قِيلَ لَهُمْ إِذَا آمَنُوا بَعْدَ وُقُوعِ الْعَذَابِ آلْآنَ آمَنْتُمْ بِهِ، فَالنَّاصِبُ لِقَوْلِهِ: (آلْآنَ) هُوَ (آمَنْتُمْ بِهِ) وَهُوَ مَحْذُوفٌ.

قِيلَ: تَقُولُ لَهُمْ ذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ.

وَقِيلَ: اللَّهُ، وَالِاسْتِفْهَامُ عَلَى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ.

وَفِي كِتَابِ اللَّوَامِحِ عِيسَى الْبَصْرِيُّ وَطَلْحَةُ: (آمَنْتُمْ بِهِ الْآنَ) بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ، بَلْ عَلَى الْخَبَرِ، فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلَى الظَّرْفِ مِنْ (آمَنْتُمْ بِهِ) الْمَذْكُورِ.

وَأَمَّا فِي الْعَامَّةِ فَنَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ آمَنْتُمْ بِهِ الْمَذْكُورُ، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ قَدْ أَخَذَ صَدْرَ الْكَلَامِ، فَيَمْنَعُ مَا قَبْلُهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيمَا بَعْدَهُ انْتَهَى.

(وَقَدْ كُنْتُمْ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) يَعْنِي تُكَذِّبُونَ، لِأَنَّ اسْتِعْجَالَكُمْ كَانَ عَلَى جِهَةِ التَّكْذِيبِ وَالْإِنْكَارِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَسْتَعْجِلُونَ مُكَذِّبِينَ بِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت