لَمَّا نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ خَوْفِ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، وَأَمَرَهُمْ بِخَوْفِهِ وَحْدَهُ تَعَالَى، نَهَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحُزْنِ لِمُسَارَعَةِ مَنْ سَارَعَ فِي الْكُفْرِ.
وَالْمَعْنَى: لَا يَتَوَقَّعُ حُزْنًا وَلَا ضَرَرًا مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: (إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) أَيْ: لَنْ يَضُرُّوا نَبِيَّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ. وَالْمَنْفِيُّ هُنَا ضَرَرٌ خَاصٌّ، وَهُوَ إِبْطَالُ الْإِسْلَامِ وَكَيْدُهُ حَتَّى يَضْمَحِلَّ، فَهَذَا لَنْ يَقَعَ أَبَدًا، بَلْ أَمْرُهُمْ يَضْمَحِلُّ وَيَعْلُو أَمْرُكَ عَلَيْهِمْ.
قِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ.
وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ ارْتَدُّوا.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ.
وَقِيلَ: رُؤَسَاءُ الْيَهُودِ. وَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ كَقَوْلِهِ: (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)
وَقِيلَ: مُثِيرُ الحزن وهو شفقته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِيثَارُهُ إِسْلَامَهُمْ حَتَّى يُنْقِذَهُمْ مِنَ النَّارِ، فَنُهِيَ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) وَقَوْلِهِ: (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وَهَذَا مِنْ فَرْطِ رَحْمَتِهِ لِلنَّاسِ، وَرَأْفَتِهِ بِهِمْ.
وَفِي ضِمْنِ قَوْلِهِ: (إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ وَبَالَ ذَلِكَ عَائِدٌ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَضُرُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ.
(يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)
بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْمُسَارَعَةِ فِي الْكُفْرِ هُوَ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَنَّهُمْ لَا يَهْدِيهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ، فَيَكُونُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ.
فَهَذِهِ تَسْلِيَةٌ مِنْهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَرْكِ الْحَرْبِ، لِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ مِنْهُمْ هُوَ مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَلَهُمْ بَدَلُ النَّعِيمِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.