وَهَذَا السُّؤَالُ لَيْسَ سُؤَالًا عَمَّا لَا يَعْلَمُ، إِذْ هُوَ عَالِمٌ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ آتَاهُمُ اللَّهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سُؤَالٌ عَنْ مَعْلُومٍ، فَهُوَ تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ، وَتَقْرِيرٌ لَهُمْ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَأَنَّهَا مَا أَجْدَتْ عِنْدَهُمْ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُ.
وَفِي هَذَا السُّؤَالِ أَيْضًا تَثْبِيتٌ وَزِيَادَةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ)
أَوْ: زِيَادَةُ يَقِينِ الْمُؤْمِنِ، فَالْخِطَابُ فِي اللَّفْظِ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ: أُمَّتُهُ، أَوْ إِعْلَامُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَقَوْمَهُ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْ قَصَصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا مَا كَانَ فِيهِمْ مِنَ الْآيَاتِ قبل أن أنزل اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ.
(بَنِي إِسْرائِيلَ)
مَنْ كَانَ بحضرته منهم، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو من آمن من بِهِ مِنْهُمْ، أَوْ عُلَمَاؤُهُمْ، أَوْ أَنْبِيَاؤُهُمْ، أَقْوَالٌ أَرْبَعَةٌ.
و: الآيات الْبَيِّنَاتُ، مَا تَضَمَّنَتْهُ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَتَحْقِيقِ نُبُوَّتِهِ، وَتَصْدِيقِ مَا جَاءَ بِهِ، أَوْ مُعْجِزَاتُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ: كَالْعَصَا، وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ، وَفَلْقِ الْبَحْرِ، أَوِ: الْقُرْآنُ قَصَّ اللَّهُ قَصَصَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ حَسْبَمَا وَقَعَتْ عَلَى لِسَانِ مَنْ لَمْ يُدَارِسِ الْكُتُبَ وَلَا الْعُلَمَاءَ، وَلَا كَتَبَ وَلَا ارْتَجَلَ، أَوْ مُعْجِزَاتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: كَتَسْبِيحِ الْحَصَى، وَتَفْجِيرِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ، أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَقَدَّرُوا بَعْدَ قَوْلِهِ: (مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) مَحْذُوفًا، فَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ: فَكَذَّبُوا بِهَا، وَبَعْضُهُمْ: فَبَدَّلُوهَا.
(تنبيه)
وَذَكَرَ بَعْضُ مَنْ جَمَعَ فِي التَّفْسِيرِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ مُؤَخَّرَةٌ فِي التِّلَاوَةِ، مُقَدَّمَةٌ فِي الْمَعْنَى.
وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ: وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنْ زَلَلْتُمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ فَمَا اعْتَبَرُوا وَلَا أَذْعَنُوا إِلَيْهَا، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ؟ أَيْ: أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ. انْتَهَى.
وَلَا حَاجَةَ إِلَى ادِّعَاءِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، بَلْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى تَرَتُّبِهَا أَخَذَ بَعْضُهَا بِعُنُقِ بَعْضٍ، مُتَلَاحِمَةُ التَّرْكِيبِ، وَاقِعَةٌ مَوَاقِعَهَا، فَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أُخْبِرُوا أَنَّ مَنْ زَلَّ جَازَاهُ اللَّهُ الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يُغَالَبُ، الْحَكِيمُ الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا، ثُمَّ قِيلَ: لَا يَنْتَظِرُونَ فِي إِيمَانِهِمْ إِلَّا ظُهُورَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، عِنَادًا مِنْهُمْ، فَقَدْ أَتَتْهُمُ الْآيَاتُ، ثُمَّ سَلَّى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اسْتِبْطَاءِ إِيمَانِهِمْ مَعَ مَا أَتَى بِهِ لَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ، بِقَوْلِهِ: (سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) فَمَا آمَنُوا بِهَا بَلْ بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَنْ بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ بِالْعِقَابِ الشَّدِيدِ، فَأَنْتَ تَرَى هَذِهِ الْمَعَانِيَ مُتَنَاسِقَةً مُرَتَّبَةً التَّرْتِيبَ الْمُعْجِزَ، بِاللَّفْظِ الْبَلِيغِ الْمُوجَزِ، فَدَعْوَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ الْمُخْتَصِّ بِضَرُورَةِ الْأَشْعَارِ، وَبِنَظْمِ ذَوِي الِانْحِصَارِ، مُنَزَّهٌ عَنْهَا كَلَامُ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.