وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ تَكْثِيرِ الْأَيْمَانِ بِاللَّهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْقِي لِلْيَمِينِ فِي قَلْبِهِ وَقْعًا، وَلَا يُؤْمَنُ مِنْ إِقْدَامِهِ عَلَى الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، وَذِكْرُ اللَّهِ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُسْتَشْهَدَ بِهِ فِي الْأَعْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
(أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ)
وَقَدْ شَرَحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا عِلَّةً لِهَذَا النَّهْيِ، أَيْ: إِرَادَةَ أَنْ تَبَرُّوا، وَالْمَعْنَى إِنَّمَا نَهْيُكُمْ عَنْ هَذَا لِمَا فِي تَوَقِّي ذَلِكَ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ، فَتَكُونُونَ مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ بَرَرَةً أَتْقِيَاءَ مُصْلِحِينَ فِي الْأَرْضِ غَيْرَ مُفْسِدِينَ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْحَلِفِ حُصُولُ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ؟
قُلْنَا: لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ الْحَلِفَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أَعْظَمُ وَأَجَلُّ أَنْ يُسْتَشْهَدَ بِاسْمِهِ الْمُعَظَّمِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، إِنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الْبِرِّ.
وَأَمَّا مَعْنَى التَّقْوَى فَظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ اتَّقَى أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ مَا يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَلِأَنَّ النَّاسَ مَتَى اعْتَقَدُوا فِيهِ كَوْنَهُ مُعَظِّمًا لِلَّهِ تَعَالَى إِلَى هَذَا الْحَدِّ، مُحْتَرِزًا عَنِ الْإِخْلَالِ بِوَاجِبِ حَقِّهِ، اعْتَقَدُوا فِيهِ كَوْنَهُ مُعَظِّمًا لِلَّهِ، وَكَوْنَهُ صَادِقًا بَعِيدًا مِنَ الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ، فَيَتَقَبَّلُونَ قَوْلَهُ، فَيَحْصُلُ الصُّلْحُ بِتَوَسُّطِهِ. انْتَهَى هَذَا الْكَلَامُ.
وَفِي (الْمُنْتَخَبِ) وَهُوَ بَسْطُ مَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قَالَ: وَمَعْنَاهَا عَلَى الْأُخْرَى يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَكُونَ عُرْضَةً، بِمَعْنَى مُعَرَّضًا لِلْأَمْرِ.
قَالَ: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ مُعَرَّضًا لِأَيْمَانِكُمْ فَتَتَبَذَّلُوهُ
بِكَثْرَةِ الْحَلِفِ بِهِ، وَلِذَلِكَ ذَمَّ مَنْ أَنْزَلَ فِيهِ: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ) بِأَشْنَعِ الْمَذَامِّ، وَجَعَلَ الحلاف مقدمتها، وأن تَبَرُّوا، عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ أَيْ: إِرَادَةَ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا لِأَنَّ الْحَلَّافَ مُجْتَرِئٌ، عَلَى اللَّهِ، غَيْرُ مُعَظِّمٍ لَهُ، فَلَا يَكُونُ بَرًّا متقيا، ولا يتق بِهِ النَّاسُ، فَلَا يُدْخِلُونَهُ فِي وَسَاطَتِهِمْ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ كَاذِبِينَ، لِتَبَرُّوا الْمَحْلُوفَ لَهُمْ، وَتَتَّقُوهُمْ وَتُصْلِحُوا بَيْنَهُمْ بِالْكَذِبِ.
رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فقيد المعلول بِالْكَذِبِ، وَقَيَّدَ الْعِلَّةَ بِالنَّاسِ، وَالْإِصْلَاحَ بِالْكَذِبِ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
خَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، فَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالسَّمْعِ الْحَلِفُ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَسْمُوعَاتِ، وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْعِلْمِ هُوَ إِرَادَةُ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ إِذْ هُوَ شَيْءٌ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَهُوَ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ، فَجَاءَتْ هاتان الصفتان منتظمتين لِلْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ، وَجَاءَتَا عَلَى تَرْتِيبِ مَا سَبَقَ مِنْ تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلَى الْعِلْمِ، كَمَا قَدَّمَ الْحَلِفَ عَلَى الْإِرَادَةِ.