أَيْ وَإِنْ تَمَادَوْا عَلَى تَكْذِيبِكَ فَتَبَرَّأْ مِنْهُمْ قَدْ أَعْذَرْتَ وَبَلَّغْتَ كَقَوْلِهِ: (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ)
وَمَعْنَى (لِي عَمَلِي) أَيْ: جَزَاءُ عَمَلِي وَلَكُمْ جَزَاءُ عَمَلِكُمْ.
وَمَعْنَى عَمَلِي الصَّالِحُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، وَلَكُمْ عَمَلُكُمُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الشِّرْكِ وَالْعِصْيَانِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا آيَةُ مُنَابَذَةٍ لَهُمْ وَمُوَادَعَةٍ، وَضَمَّنَهَا الْوَعِيدَ كقوله: (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكافِرُونَ) السُّورَةَ.
وَقِيلَ: الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ اسْتِمَالَتُهُمْ وَتَأْلِيفُ قُلُوبِهِمْ.
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالْقِتَالِ لِأَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ: مُجَاهِدٍ، وَالْكَلْبِيِّ، وَمُقَاتِلٍ.
وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، وَمَدْلُولُهَا اخْتِصَاصُ كُلِّ وَاحِدٍ بِأَفْعَالِهِ، وَثَمَرَاتِهَا مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَلَمْ تَرْفَعْ آيَةُ السَّيْفِ شَيْئًا مِنْ هَذَا.
وَبَدَأَ فِي الْمَأْمُورِ بِقَوْلِهِ: (لِي عَمَلِي) لِأَنَّهُ آكَدُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُمْ وَفِي الْبَرَاءَةِ بِقَوْلِهِ: (أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ) لِأَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ جَاءَتْ كَالتَّوْكِيدِ وَالتَّتْمِيمِ لِمَا قَبْلَهَا، فَنَاسَبَ أَنْ تَلِيَ قَوْلَهُ: (وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ) . وَلِمُرَاعَاةِ الْفَوَاصِلِ، إِذْ لَوْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَرَاءَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ (لِي عَمَلِي) لَمْ تَقَعِ الْجُمْلَةُ فَاصِلَةً، إِذْ كَانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ وَأَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ.