الدَّابَّةُ هُنَا عَامٌّ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ يَحْتَاجُ إِلَى رِزْقٍ، وعلى اللَّهِ ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا هُوَ تُفَضُّلٌ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا ضَمِنَ تَعَالَى أَنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ أَبْرَزَهُ فِي حَيِّزِ الْوُجُوبِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُسْتَقَرَّهَا حَيْثُ تَأْوِي إِلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ، وَمُسْتَوْدَعَهَا الْمَوْضِعَ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ فَتُدْفَنُ.
وَعَنْهُ أَيْضًا: مُسْتَقَرَّهَا فِي الرَّحِمِ، وَمُسْتَوْدَعَهَا فِي الصُّلْبِ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: مُسْتَقَرَّهَا فِي أَيَّامِ حَيَاتِهَا، وَمُسْتَوْدَعَهَا حِينَ تَمُوتُ وَحِينَ تُبْعَثُ.
وَقِيلَ: مُسْتَقَرَّهَا فِي الْجَنَّةِ أَوْ فِي النَّارِ، وَمُسْتَوْدَعَهَا فِي الْقَبْرِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: (حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا) و (ساءَتْ مُسْتَقَرًّا)
وَقِيلَ: مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ عَمَلُهَا، وَمُسْتَوْدَعَهَا مَا تَصِيرُ إِلَيْهِ.
وَقِيلَ: الْمُسْتَقَرُّ مَا حَصَلَ مَوْجُودًا مِنَ الْحَيَوَانِ، وَالْمُسْتَوْدَعُ مَا سَيُوجَدُ بَعْدَ الْمُسْتَقَرِّ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْمُسْتَقَرُّ مَكَانُهُ مِنَ الْأَرْضِ
وَمَسْكَنُهُ، وَالْمُسْتَوْدَعُ حَيْثُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ مِنْ صُلْبٍ أَوْ رَحِمٍ أَوْ بَيْضَةٍ انْتَهَى.
وَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا مَصْدَرَيْنِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا اسْمَيْ مَكَانٍ، وَيَحْتَمِلُ مُسْتَوْدَعٌ أَنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ لِتَعَدِّي الْفِعْلِ مِنْهُ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ مُسْتَقَرٌّ لِلُزُومِ فِعْلِهِ كُلٌّ أَيْ: كُلٌّ مِنَ الرِّزْقِ وَالْمُسْتَقَرُّ وَالْمُسْتَوْدَعُ فِي اللَّوْحِ يَعْنِي: وَذِكْرُهَا مَكْتُوبٌ فِيهِ مُبَيَّنٌ.
وَقِيلَ: الْكِتَابُ هُنَا مَجَازٌ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ، وَحَمْلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ أَوْلَى.