{وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) }
(أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)
قَرَأَ الْجُمْهُورُ: أَنِّي أَخْلُقُ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ: آيَةٍ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، أَوْ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَوْ جَرٍّ عَلَى الْخِلَافِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هِيَ، أَيِ: الْآيَةُ أَنِّي أَخْلُقُ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ، أَوْ عَلَى التَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ. كَمَا فَسَّرَ الْمَثَلَ فِي قَوْلِهِ: (كَمَثَلِ آدَمَ) بِقَوْلِهِ: (خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) وَمَعْنَى: أَخْلُقُ: أُقَدِّرُ وَأُهَيِّئُ، وَالْخَلْقُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ وَإِبْرَازِ الْعَيْنِ مِنَ الْعَدَمِ الصِّرْفِ إِلَى الْوُجُودِ.
وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَيَكُونُ بِمَعْنَى: التَّقْدِيرِ وَالتَّصْوِيرِ، وَلِذَلِكَ يُسَمُّونَ صَانِعَ الْأَدِيمِ وَنَحْوَهُ: الْخَالِقَ، لِأَنَّهُ يُقَدِّرُ، وَأَصْلُهُ فِي الْأَجْرَامِ، وَقَدْ نَقَلُوهُ إِلَى الْمَعَانِي قَالَ تَعَالَى (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) وَمِمَّا جَاءَ الْخُلُقُ فِيهِ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) أَيِ الْمُقَدِّرِينِ.
وَقَالَ الشاعر:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ ... وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يفري
وَاللَّامُ فِي: لَكُمْ، مَعْنَاهَا التعليل، و: من الطِّينِ، تَقْيِيدٌ بِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ مِنَ الْعَدَمِ الصِّرْفِ، بَلْ ذَكَرَ الْمَادَّةَ الَّتِي يُشَكِّلُ مِنْهَا صُورَةً.
وَمَعْنَى: بِإِذْنِ اللَّهِ، أَيْ بِتَمْكِينِهِ وَعِلْمِهِ بِأَنِّي أَفْعَلُ، وَتَعَاطِي عِيسَى التَّصْوِيرَ بِيَدِهِ وَالنَّفْخَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ تَبْيِينٌ لِتَلَبُّسِهِ بِالْمُعْجِزَةِ، وَتَوْضِيحُ أَنَّهَا مِنْ قِبَلِهِ، وَأَمَّا خَلْقُ الْحَيَاةِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الطِّينِيَّةِ فَمِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَلْقَهُ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِاقْتِرَاحٍ مِنْهُمْ، بَلْ هَذِهِ الْخَوَارِقُ جَاءَتْ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)
وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ بِاقْتِرَاحٍ مِنْهُمْ، طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَخْلُقَ لَهُمْ خُفَّاشًا عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ جَرْيًا عَلَى عَادَاتِهِمْ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ، وَخَصُّوا الْخُفَّاشَ لِأَنَّهُ عَجِيبُ الْخَلْقِ، وَهُوَ أَكْمَلُ الطَّيْرِ خَلْقًا، لَهُ: ثَدْيٌ، وَأَسْنَانٌ، وَآذَانٌ، وَضَرْعٌ، يَخْرُجُ مِنْهُ اللَّبَنُ، وَلَا يُبْصِرُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ وَلَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، إِنَّمَا يَرَى فِي سَاعَتَيْنِ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ سَاعَةٍ، وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ سَاعَةٍ قَبْلَ أَنْ يُسْفِرَ جِدًّا، وَيَضْحَكُ كَمَا يَضْحَكُ الْإِنْسَانَ، وَيَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، وَتَحِيضُ أُنْثَاهُ وَتَلِدُ.
رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: مَاذَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: الْخُفَّاشُ.
فَسَأَلُوهُ أَشَدَّ الطَّيْرِ خَلْقًا لِأَنَّهُ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، وَيُقَالُ: مَا صَنَعَ غَيْرَ الْخُفَّاشِ، وَيُقَالُ: فَعَلَ ذَلِكَ أَوَّلًا وَهُوَ مَعَ مُعَلِّمِهِ فِي الْكِتَابِ، وَتَوَاطَأَ النَّقْلُ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الطَّائِرَ الَّذِي خَلَقَهُ عِيسَى كَانَ يَطِيرُ مَا دَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَإِذَا غَابَ عَنْ أَعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ فِعْلِ الْمَخْلُوقِ من فِعْلِ الْخَالِقِ، وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَعَ مُعَايَنَتِهِمْ لِذَلِكَ الطَّائِرِ يَطِيرُ يَقُولُونَ فِي عِيسَى: هَذَا سَاحِرٌ.
(وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ)
وَخَصَّ بِالذِّكْرِ الْكَمَهَ وَالْبَرَصَ لأنهما داآن مُعْضِلَانِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِبْرَاءِ مِنْهُمَا، إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى زَمَانِ عِيسَى الطِّبَّ، فَأَرَاهُمُ اللَّهُ الْمُعْجِزَةَ فِي جِنْسِ عِلْمِهِمْ، كَمَا أَرَى قَوْمَ مُوسَى، إِذْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ السِّحْرَ، الْمُعْجِزَةَ بِالْعَصَا وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ، وَكَمَا أَرَى الْعَرَبَ، إِذْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ الْبَلَاغَةَ، الْمُعْجِزَةَ بِالْقُرْآنِ.
رُوِيَ أَنَّ جَالِينُوسَ كَانَ فِي زَمَانِ عِيسَى، وَأَنَّهُ رَحَلَ إِلَيْهِ مِنْ رُومِيَّةَ إِلَى الشَّامِ لِيَلْقَاهُ، فَمَاتَ في طريقه.
(وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ)
نَقَلَ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ أَحْيَا أَرْبَعَةً: عَاذِرَ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ، بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. فَقَامَ مِنْ قَبْرِهِ يَقْطُرُ وَدَكُهُ، وَبَقِيَ إِلَى أَنْ ولد له. و: ابن الْعَجُوزِ، وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ، فَنَزَلَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ وَحَمَلَ سَرِيرَهُ وَبَقِيَ إِلَى أن ولد له، و: بنت العاشر، متعت بولدها بعد ما حَيِيَتْ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُحْيِيَ سَامَ بْنَ نُوحٍ لِيُخْبِرَهُمْ عَنْ حَالِ السَّفِينَةِ، فَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ فَقَالَ: أَقَدْ قَامَتِ السَّاعَةُ؟ وَقَدْ شَابَ نِصْفُ رَأْسِهِ، وَكَانَ شَابًّا ابْنَ خَمْسِمِائَةٍ، فَقَالَ:
شَيَّبَنِي هَوْلُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ فِي إِحْيَائِهِ الْمَوْتَى كَانَ يَضْرِبُ بِعَصَاهُ الْمَيِّتَ، أَوِ الْقَبْرَ، أَوِ الْجُمْجُمَةَ، فَيُحْيِي الْإِنْسَانَ وَيُكَلِّمُهُ وَيَعِيشُ.
وَقِيلَ: تَمُوتُ سَرِيعًا.
وَوَرَدَتْ قَصَصٌ فِي إِحْيَاءِ خَلْقٍ كَثِيرٍ عَلَى يَدِ عِيسَى، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ مِمَّا كَانَ يَدْعُو بِهَا إِذَا أَحْيَا، اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا.
(وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ)
وَأَتَى بِهَذِهِ الْخَوَارِقِ الْأَرْبَعِ مُصَدَّرَةً بِالْمُضَارِعِ الدَّالِّ عَلَى التَّجَدُّدِ، وَالْحَالَةِ الدَّائِمَةِ:
وَبَدَأَ بِالْخَلْقِ إِذْ هُوَ أَعْظَمُ فِي الْإِعْجَازِ، وَثَنَى بِإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَأَتَى ثَالِثًا بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَهُوَ خَارِقٌ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَرَّرَ: (بِإِذْنِ اللَّهِ) دَفْعًا لِمَنْ يَتَوَهَّمُ فِيهِ الْأُلُوهِيَّةَ، وَكَانَ (بِإِذْنِ اللَّهِ) عَقِبَ قَوْلِهِ: (أَنِّي أَخْلُقُ) وعطف عليه: (وأبرئ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ) ، وَلَمْ يَذْكُرْ: (بِإِذْنِ اللَّهِ) ، اكْتِفَاءً بِهِ فِي الْخَارِقِ الْأَعْظَمِ، وَعَقَّبَ قَوْلَهُ: (وَأُحْيِي الْمَوْتَى) ، بِقَوْلِهِ: (بِإِذْنِ اللَّهِ) ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ: (وَأُنَبِّئُكُمْ) ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ (بِإِذْنِ اللَّهِ) ، لِأَنَّ إِحْيَاءَ الْأَمْوَاتِ أَعْظَمُ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ، فَاكْتَفَى بِهِ فِي الْخَارِقِ الْأَعْظَمِ أَيْضًا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَارِقَيْنِ الْأَعْظَمَيْنِ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: (بِإِذْنِ اللَّهِ) ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَلِكَ فِيمَا عُطِفَ عَلَيْهِمَا اكْتِفَاءً بِالْأَوَّلِ إِذْ كُلُّ هَذِهِ الْخَوَارِقِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.