{وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) }
(مَنْ يَنْصُرُنِي)
اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ لَا نَاصِرَ لِي مِنْ عِقَابِ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ عَنِ الْخَيْرِ الَّذِي قَدْ قَبِلُوهُ، أَوْ لِأَجْلِ إِيمَانِهِمْ قَالَهُ: الْفَرَّاءُ، وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَطْرُدَهُمْ لِيُؤْمِنُوا بِهِ أَنَفَةً مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا مَعَهُمْ عَلَى سَوَاءٍ، ثُمَّ وَقَفَهُمْ بِقَوْلِهِ: (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) عَلَى النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إِلَى صِحَّةِ هَذَا الِاحْتِجَاجِ.
وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْجُمَلِ الثَّلَاثِ فِي الْأَنْعَامِ.
وَ (تَزْدَرِي) تَفْتَعِلُ، وَالدَّالُ بَدَلٌ مِنَ التَّاءِ قَالَ:
تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ ...
وَفِي أَثْوَابِهِ أَسَدٌ هَصُورُ
وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:
يُبَاعِدُهُ الصَّدِيقُ وَتَزْدَرِيهِ ... حَلِيلَتُهُ وَيَنْهَرُهُ الصَّغِيرُ
وَالْعَائِدُ عَلَى الْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ أَيْ: تَزْدَرُونَهُمْ، أَيْ: تَسْتَحْقِرُهُمْ أَعْيُنُكُمْ.
وَ (لَنْ يُؤْتِيَهُمْ) مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: (ولا أقول) وللذين مَعْنَاهُ لِأَجْلِ الَّذِينَ. وَلَوْ كَانَتِ اللَّامُ لِلتَّبْلِيغِ لَكَانَ الْقِيَاسُ لَنْ يُؤْتِيَكُمْ بِكَافِ الْخِطَابِ، أَيْ: لَيْسَ احْتِقَارُكُمْ إِيَّاهُمْ يُنْقِصُ ثَوَابَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا يُبْطِلُ أُجُورَهُمْ.
(اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ) تَسْلِيمٌ لِلَّهِ أَيْ: لَسْتُ أَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى الَّذِي يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِهِمْ فَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: هُوَ رَدٌّ عَلَى قَوْلِهِمُ: اتَّبَعَكَ أَرَاذِلُنَا، أَيْ لَسْتُ أَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ خَيْرٌ لِظَنِّكُمْ بِهِمْ، إِنَّ بَوَاطِنَهُمْ لَيْسَتْ كَظَوَاهِرِهِمُ.
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِهِمْ، إِنِّي لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَمِنَ الظَّالِمِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهِ.