فهرس الكتاب

الصفحة 4032 من 4059

{وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ(89)كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ(90)الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ(91)}

ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُبَلِّغَ أَنَّهُ هُوَ النَّذِيرُ الْكَاشِفُ لَكُمْ مَا جِئْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ مِنْ تَعْذِيبِكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وَإِنْزَالِ نِقَمِ اللَّهِ الْمَخُوفَةِ بِكُمْ.

وَالْكَافُ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ) أَيْ: أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ مِثْلَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُمُ الْمُقْتَسِمُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ، حَيْثُ قَالُوا بِعِنَادِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ: بَعْضُهُ حَقٌّ مُوَافِقٌ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَبَعْضُهُ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لَهُمَا، فَاقْتَسَمُوهُ إِلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ، وَعَصَوْهُ.

وَقِيلَ: كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ لِي، وَيَقُولُ الْآخَرُ: سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ لِي.

وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْقُرْآنِ مَا يقرأونه مِنْ كُتُبِهِمْ، وَقَدِ اقْتَسَمُوهُ بِتَحْرِيفِهِمْ، وَبِأَنَّ الْيَهُودَ أَقَرَّتْ بِبَعْضِ التَّوْرَاةِ وَكَذَّبَتْ بِبَعْضٍ، وَالنَّصَارَى أَقَرَّتْ بِبَعْضِ الْإِنْجِيلِ وَكَذَّبَتْ بِبَعْضٍ، وَهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَنِيعِ قَوْمِهِ بِالْقُرْآنِ وَتَكْذِيبِهِمْ وَقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ، وَشِعْرٌ، وَأَسَاطِيرُ، بِأَنَّ غَيْرَهُمْ مِنَ الْكَفَرَةِ فَعَلُوا بِغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ نَحْوَ فِعْلِهِمْ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) وَأَنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْعَذَابِ عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ يَعْنِي:

الْيَهُودَ، هُوَ مَا جَرَى عَلَى قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، جَعَلَ الْمُتَوَقَّعَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِعِ، وَهُوَ مِنَ الْإِعْجَازِ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ بِمَا سَيَكُونُ وَقَدْ كَانَ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) مَنْصُوبًا بِالنَّذِيرِ أَيْ: أَنْذِرِ الْمُعْضِينَ الَّذِينَ يُجَزِّؤُونَ الْقُرْآنَ إِلَى سِحْرٍ وَشِعْرٍ وَأَسَاطِيرَ مثل ما أنزلنا على الْمُقْتَسِمِينَ وَهُمُ: الِاثْنَا عَشَرَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَدَاخِلَ مَكَّةَ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، فَقَعَدُوا فِي كُلِّ مَدْخَلٍ مُتَفَرِّقِينَ لِيُنَفِّرُوا النَّاسَ عَنِ الْإِيمَانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: لَا تَغْتَرُّوا بِالْخَارِجِ مِنَّا فَإِنَّهُ سَاحِرٌ، وَيَقُولُ الْآخَرُ: كَذَّابٌ، وَالْآخَرُ: شَاعِرٌ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَبْلَهُ بِآفَاتٍ: كَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَالْعَاصِي بْنُ وَائِلٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، وَغَيْرِهِمْ. أَوْ مِثْلَ مَا أَنْزَلَنَا عَلَى الرَّهْطِ الَّذِينَ تَقَاسَمُوا عَلَى أَنْ يُبَيِّتُوا صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالِاقْتِسَامُ بِمَعْنَى التَّقَاسُمِ

(فَإِنْ قُلْتَ) إِذَا عَلَّقْتَ قَوْلَهُ كَمَا أَنْزَلْنَا بِقَوْلِهِ: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ) فَمَا مَعْنَى تَوَسُّطِ (لَا تَمُدَّنَّ) إِلَى آخِرِهِ بَيْنَهُمَا؟

(قُلْتُ) لَمَّا كَانَ ذلك تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن تَكْذِيبِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمُ اعْتَرَضَ بِمَا هُوَ مَدَدٌ لِمَعْنَى التَّسْلِيَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى دُنْيَاهُمْ وَالتَّأَسُّفِ عَلَى كُفْرِهِمْ وَمِنَ الْأَمْرِ بِأَنْ يُقْبِلَ بِمَجَامِعِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ انْتَهَى.

أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ تَعَلُّقُ كَمَا بِآتَيْنَاكَ فَذَكَرَهُ أَبُو الْبَقَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ وَهُوَ وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي إِيتَاءً كَمَا أَنْزَلْنَا أَوْ إِنْزَالًا كَمَا أَنْزَلْنَا لِأَنَّ آتَيْنَاكَ بِمَعْنَى أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ الْمُقْتَسِمِينَ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَرَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

وَأَمَّا قَوْلُهُ اقْتَسَمُوا الْقُرْآنَ فَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ

وَأَمَّا قَوْلُهُ اقْتَسَمُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَبَعْضُهُمْ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ إِلَخْ فَقَالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ هُمُ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وَالْوَلِيدُ وَالْعَاصِي والحرث بْنُ قَيْسٍ ذَكَرُوا الْقُرْآنَ فَمِنْ قَائِلِ الْبَعُوضِ لِي وَمِنْ قَائِلِ النَّمْلِ لِي وَقَائِلِ الذُّبَابِ لِي وَقَائِلِ الْعَنْكَبُوتِ لِي اسْتِهْزَاءً فَأَهْلَكَ اللَّهُ جَمِيعَهُمْ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ الْقُرْآنَ عِبَارَةٌ عَمَّا يقرأونه مِنْ كُتُبِهِمْ إِلَى آخِرِهِ فَقَالَهُ مُجَاهِدٌ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ الَّذِينَ يُجَزِّؤُونَ الْقُرْآنَ إِلَى سِحْرٍ وَشِعْرٍ وَأَسَاطِيرَ فَمَرْوِيٌّ عَنْ قَتَادَةَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ شِعْرٍ كِهَانَةٍ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَدَاخِلَ مَكَّةَ فَهُوَ قَوْلُ السَّائِبِ وَفِيهِ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ قَالَ: لِيَقُلْ بَعْضُكُمْ كَاهِنٌ وَبَعْضُكُمْ سَاحِرٌ وَبَعْضُكُمْ شَاعِرٌ وَبَعْضُكُمْ غاو وهم حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَأَبُو جَهْلٍ وَالْعَاصِي بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْوَلِيدِ وَقَيْسُ بْنُ الْفَاكِهِ وَزُهَيْرُ بْنُ أُمَيَّةَ وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ الْأَسْوَدِ وَالسَّائِبُ بْنُ صيفي والنضر بن الحرث وأبو البختري بْنُ هِشَامٍ وَزَمَعَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَف وَأَوْسُ بْنُ الْمُغِيرَةِ تَقَاسَمُوا عَلَى تَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْلِكُوا جَمِيعًا.

وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّهُمُ الَّذِينَ تَقَاسَمُوا أَنْ يُبَيِّتُوا صَالِحًا فَقَوْلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ.

وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ وَقِيلَ التَّقْدِيرُ مَتَّعْنَاهُمْ تَمْتِيعًا كَمَا أَنْزَلْنَا وَالْمَعْنَى مَتَّعْنَا بَعْضَهُمْ كَمَا عَذَّبْنَا بَعْضَهُمْ.

وَقِيلَ التَّقْدِيرُ إِنْذَارٌ مِثْلَ مَا أَنْزَلْنَا انْتَهَى.

وَقِيلَ الْكَافُ زَائِدَةٌ التَّقْدِيرُ أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ.

هَذِهِ أَقْوَالٌ وَتَوْجِيهَاتٌ مُتَكَلَّفَةٌ وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُ بِأَنْ لَا يَحْزَنَ عَلَى مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ وَأَمَرَهُ بِخَفْضِ جَنَاحِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمَرَهُ أَنْ يُعْلِمَ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرَهُمْ إِنَّهُ هُوَ النَّذِيرُ الْمُبِينُ لِئَلَّا يَظُنَّ الْمُؤْمِنُونَ أَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِخَفْضِ جَنَاحِهِ لَهُمْ خَرَجُوا مِنْ عُهْدَةِ النِّذَارَةِ فَأَمَرَهُ تَعَالَى بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ لَكُمْ وَلِغَيْرِكُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ مَنْ يَخْشَاهَا) وَتَكُونُ الْكَافُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَقُلْ قَوْلًا مِثْلَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ إِنَّكَ نَذِيرٌ لَهُمْ، فَالْقَوْلُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي النِّذَارَةِ كَالْقَوْلِ لِلْكُفَّارِ الْمُقْتَسِمِينَ لِئَلَّا يُظَنُّ إِنْذَارُكَ لِلْكَفَّارِ مُخَالِفٌ لِإِنْذَارِ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ أَنْتَ فِي وَصْفِ النِّذَارَة لَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ تُنْذِرُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا تُنْذِرُ الْكَافِرِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى (نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .

وَالظَّاهِرُ أَنَّ (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِلْمُقْتَسِمِينَ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ محذوف وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الذَّمِّ، وَتَقَدَّمَ تَجْوِيزُ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِالنَّذِيرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت