الْأَمْرُ وَاحِدُ الْأُمُورِ، فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنِ الْعَذَابِ، أَوْ عَنِ الْقَضَاءِ بِهَلَاكِهِمْ. أَوْ مَصْدَرُ أَمَرَ أَيْ أَمْرُنَا لِلرِّيحِ أَوْ لِخَزَنَتِهَا.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) قِيلَ: كَانُوا أربعة آلاف، وقيل: ثَلَاثَةُ آلَافٍ.
وَالظَّاهِرُ تَعَلُّقٌ (بِرَحْمَةٍ مِنَّا) بِقَوْلِهِ: (نَجَّيْنَا) أَيْ، نَجَّيْنَاهُمْ بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَحِقَتْهُمْ، لَا بِأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ.
أَوْ كَنَّى بِالرَّحْمَةِ عَنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، إِذْ تَوْفِيقُهُمْ لَهَا إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلّقًا بِآمَنُوا أَيْ: إِنَّ إِيمَانَهُمْ بِاللَّهِ وَبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ إِنَّمَا هُوَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ، إِذْ وَفَّقَهُمْ لِذَلِكَ.
وَتَكَرَّرَتِ التَّنْجِيَةُ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وَلِقَلَقٍ مِنْ لو لاصقتْ (مِنَّا) فَأُعِيدَتِ التَّنْجِيَةُ وَهِيَ الْأُولَى، أَوْ تَكُونُ هَذِهِ التنجية هِيَ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ وَلَا عَذَابَ أَغْلَظُ مِنْهُ، فَأُعِيدَتْ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ مُتَعَلّقَيْهَا.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) فَمَا مَعْنَى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ؟
(قُلْتُ) ذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّهُ حِينَ أَهْلَكَ عَدُوَّهُمْ نَجَّاهُمْ ثُمَّ قَالَ: (وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) عَلَى مَعْنَى، وَكَانَتِ التَّنْجِيَةُ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَعَلَا بَعَثَ عَلَيْهِمُ السَّمُومَ، فَكَانَتْ تَدْخُلُ فِي أُنُوفِهِمْ وَتَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ وَتُقَطِّعُهُمْ عُضْوًا عُضْوًا انْتَهَى.
وَهَذَا قَالَهُ الزَّجَّاجُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ، وَكَانَتِ النَّجَاةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ الرِّيحَ، فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ عَلَى هَذَا تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ، وَالْمَشْهُورُ فِي عَذَابِهِمْ بِالرِّيحِ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُهُمْ وَتَهْدِمُ مَسَاكِنَهُمْ وَتَنْسِفُهَا، وَتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ كَمَا هِيَ، وَنَحْوَ هَذَا.