فهرس الكتاب

الصفحة 1987 من 4059

{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا(10)}

وَ (فِي بُطُونِهِمْ) مَعْنَاهُ مِلْءُ بُطُونِهِمْ يُقَالُ: أَكَلَ فِي بَطْنِهِ، وَفِي بَعْضِ بَطْنِهِ. كَمَا قَالَ:

كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمْ تَعِفُّوا ... فَإِنَّ زَمَانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ

وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (فِي بُطُونِهِمْ) عَلَى نَقْصِهِمْ، وَوَصْفِهِمْ بِالشَّرَهِ فِي الْأَكْلِ، وَالتَّهَافُتِ فِي نَيْلِ الْحَرَامِ بِسَبَبِ الْبَطْنِ. وَأَيْنَ يَكُونُ هَؤُلَاءِ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ؟!

تَرَاهُ خَمِيصَ الْبَطْنِ وَالزَّادُ حَاضِرُ

وَقَوْلِ الشَّنْفَرَى:

وَإِنْ مُدَّتِ الْأَيْدِي إِلَى الزَّادِ لَمْ أَكُنْ ... بِأَعْجَلِهِمْ إِذْ أَجْشَعُ الْقَوْمِ أَعْجَلُ

وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (نَارًا) أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ نَارًا حَقِيقَةً.

قَالَتْ طَائِفَةٌ: وَقِيلَ: هُوَ مُجَازٌ، لَمَّا كَانَ أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ يَجُرُّ إِلَى النَّارِ وَالتَّعْذِيبِ، بِهَا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْأَكْلِ فِي الْبَطْنِ، وَنَبَّهَ عَلَى الْحَامِلِ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ وَهُوَ الْبَطْنُ الَّذِي هُوَ أَخَسُّ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِالْمَالِ لِأَجْلِهَا، إِذْ مَآلُ مَا يُوضَعُ فِيهِ إِلَى الِاضْمِحْلَالِ وَالذَّهَابِ فِي أَقْرَبِ زَمَانٍ.

وَلِذَلِكَ قَالَ: «مَا مَلَأَ الْإِنْسَانُ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ» .

(وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)

والصلا مِنَ: التَّسَخُّنِ بِقُرْبِ النَّارِ، وَالْإِحْرَاقُ إِتْلَافُ الشَّيْءِ بِالنَّارِ.

وعبر بالصلا بِالنَّارِ عَنِ الْعَذَابِ الدَّائِمِ بِهَا، إِذِ النَّارُ لَا تُذْهِبُ ذَوَاتِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ كَمَا قَالَ: (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ)

وَهَذَا وَعِيدٌ عَظِيمٌ عَلَى هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ.

وَجَاءَ يَأْكُلُونَ بِالْمُضَارِعِ دُونَ سين الاستقبال (وسيصلون) بِالسِّينِ، فَإِنْ كَانَ الْأَكْلُ لِلنَّارِ حَقِيقَةً فَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ، وَاسْتَغْنَى عَنْ تَقْيِيدِهِ بِالسِّينِ بِعَطْفِ الْمُسْتَقْبَلِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مَجَازًا فَلَيْسَ بِمُسْتَقْبَلٍ، إِذِ الْمَعْنَى: يَأْكُلُونَ مَا يَجُرُّ إِلَى النَّارِ وَيَكُونُ سَبَبًا إِلَى الْعَذَابِ بِهَا.

وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ نَارٍ مُطْلَقًا فِي قَوْلِهِ: (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) قُيِّدَ فِي قَوْلِهِ (سَعِيرًا) ، إِذْ هُوَ الْجَمْرُ الْمُتَّقِدُ.

(فصل)

وتضمنت هذه الآيات من ضُرُوبِ الْبَيَانِ وَالْفَصَاحَةِ. الطِّبَاقَ في: واحدة وزوجها، وفي: غنيا وفقيرا، وَفِي: قَلَّ أَوْ كَثُرَ.

وَالتَّكْرَارَ فِي: اتَّقُوا، وَفِي: خلق، وفي: خفتم، وأن لا تقسطوا، وأن لَا تَعْدِلُوا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَفِي الْيَتَامَى، وَفِي النِّسَاءِ، وَفِي فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وَفِي نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ، وَفِي قوله: وليخش، وخافوا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُمَا مُتَرَادِفَيْنِ، وَإِطْلَاقَ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ فِي: وَلَا تَأْكُلُوا وَشِبْهِهِ لِأَنَّ الْأَخْذَ سَبَبٌ لِلْأَكْلِ. وَتَسْمِيَةَ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي: وَآتُوا الْيَتَامَى، سَمَّاهُمْ يَتَامَى بَعْدَ الْبُلُوغِ. وَالتَّأْكِيدَ بِالْإِتْبَاعِ فِي: هَنِيئًا مَرِيئًا وَتَسْمِيَةَ الشيء باسم ما يؤول إِلَيْهِ فِي: نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ، وَفِي نَارًا عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أنها حَقِيقَةٌ. وَالتَّجْنِيسَ الْمُمَاثِلَ فِي: فَادْفَعُوا فَإِذَا دَفَعْتُمْ، وَالْمُغَايِرَ فِي: وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا.

وَالزِّيَادَةَ لِلزِّيَادَةِ فِي الْمَعْنَى فِي: فَلْيَسْتَعْفِفْ. وَإِطْلَاقَ كُلٍّ عَلَى بَعْضٍ فِي: الْأَقْرَبُونَ، إِذِ الْمُرَادُ أَرْبَابُ الْفَرَائِضِ. وَإِقَامَةَ الظَّرْفِ الْمَكَانِيِّ مَقَامَ الزماني في: من خَلْفِهِمْ، أَيْ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِمْ. وَالِاخْتِصَاصَ فِي: بُطُونِهِمْ، خَصَّهَا دُونَ غَيْرِهَا لِأَنَّهَا مَحَلٌّ لِلْمَأْكُولَاتِ. وَالتَّعْرِيضَ فِي: فِي بُطُونِهِمْ، عَرَّضَ بِذِكْرِ البطون لخستهم وَسُقُوطِ هِمَمِهِمْ وَالْعَرَبُ تَذُمُّ بِذَلِكَ قَالَ:

دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا ... وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي

وَتَأْكِيدَ الْحَقِيقَةِ بِمَا يَرْفَعُ احْتِمَالَ الْمَجَازِ بِقَوْلِهِ: (فِي بُطُونِهِمْ) رُفِعَ الْمَجَازُ الْعَارِضُ فِي قَوْلِهِ: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا)

وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَجَازِ فَيَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ تَرْشِيحِ الْمَجَازِ، وَنَظِيرُ كَوْنِهِ رَافِعًا لِلْمَجَازِ قَوْلُهُ: (يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) ، وَقَوْلُهُ: (يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ) . وَالْحَذْفُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت