لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى عَجْزَ أَصْنَامِهِمْ عَنِ الْإِبْدَاءِ وَالْإِعَادَةِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ الْقُدْرَةِ وأعظم دلائل الْأُلُوهِيَّةِ، بَيَّنَ عَجْزَهُمْ عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ صِفَاتِ الْإِلَهِ وَهُوَ الْهِدَايَةُ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى مَنَاهِجِ الصَّوَابِ، وَقَدْ أَعْقَبَ الْخَلْقَ بِالْهِدَايَةِ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ الْكَلِيمِ: (قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) وَقَالَ: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى) فَاسْتَدَلَّ بِالْخَلْقِ وَالْهِدَايَةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ، وَهُمَا حَالَانِ لِلْجَسَدِ وَالرُّوحِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الْعُقُولُ يَلْحَقُهَا الِاضْطِرَابُ وَالْغَلَطُ، بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لا يهديهما إِلَّا هُوَ بِخِلَافِ أَصْنَامِهِمْ وَمَعْبُودَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَا كَانَ مِنْهَا لَا رُوحَ فِيهِ جَمَادٌ لَا تَأْثِيرَ لَهُ، وَمَا فِيهِ رُوحٌ فَلَيْسَ قَادِرًا عَلَى الْهِدَايَةِ، بَلِ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَهْدِيهِ.
وَ (هَدَى) تَتَعَدَّى بِنَفْسِهَا إِلَى اثْنَيْنِ، وَإِلَى الثَّانِي بِـ (إِلَى) وَبِاللَّامِ. وَيَهْدِي إِلَى الْحَقِّ حُذِفُ مَفْعُولُهُ الْأَوَّلُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا بِمَعْنَى يَهْتَدِي، لِأَنَّ مُقَابِلَهُ إِنَّمَا هُوَ مُتَعَدٍّ، وَهُوَ قَوْلُهُ قُلِ: اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَيْ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى الْحَقِّ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الْمُبَرِّدُ مَا قاله الكسائي والفراء وتبعهما الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَدَى بِمَعْنَى اهْتَدَى، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُ هَذَا.
وَ (أَحَقُّ) لَيْسَتْ أَفْعَلَ تَفْضِيلٍ، بَلِ الْمَعْنَى حَقِيقٌ بِأَنْ يُتَّبَعَ.
وَلَمَّا كَانُوا مُعْتَقِدِينَ أَنَّ شُرَكَاءَهُمْ تَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، وَلَا يُسَلِّمُونَ حَصْرَ الْهِدَايَةِ لِلَّهِ تَعَالَى أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُبَادِرَ بِالْجَوَابِ فَقَالَ: (قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ) ثُمَّ عَادَلَ فِي السُّؤَالِ بِالْهَمْزَةِ وَأَمْ بَيْنَ مَنْ هُوَ حَقِيقٌ بِالِاتِّبَاعِ، وَمَنْ هُوَ غَيْرُ حَقِيقٍ، وَجَاءَ عَلَى الْأَفْصَحِ الْأَكْثَرِ مِنْ فَصْلِ أَمْ مِمَّا عُطِفَتْ عَلَيْهِ بِالْخَبَرِ كَقَوْلِهِ: (أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) بِخِلَافِ قَوْلِهِ: (أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ) وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي تَرْجِيحِ الْوَصْلِ هُنَا فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَّا وَرْشًا: (أَمَّنْ لَا يَهْدِّي) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِّ، فَجَمَعُوا بَيْنَ سَاكِنَيْنِ.
قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ.
وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: مَنْ رَامَ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً، وَسِيبَوَيْهِ يُسَمِّي هَذَا اخْتِلَاسَ الْحَرَكَةِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَقَالُونُ فِي رِوَايَةٍ كَذَلِكَ: إِلَّا أَنَّهُ اخْتَلَسَ الْحَرَكَةَ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَوَرْشٌ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ: كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُمْ فَتَحُوا الْهَاءَ وَأَصْلُهُ يَهْتَدِي، فَقُلِبَ حَرَكَةُ التَّاءِ إِلَى الْهَاءِ، وَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ.
وَقَرَأَ حفص، ويعقوب، وَالْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُمْ كَسَرُوا الْهَاءَ لَمَّا اضْطُرَّ إِلَى الْحَرَكَةِ حُرِّكَ بِالْكَسْرِ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هِيَ لُغَةُ سُفْلَى مُضَرَ.
وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ آدَمَ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ كَسَرَ الْيَاءَ. وَنُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ لَا يجيز يهدي
وَيُجِيزُ تَهِدِّي وَنَهِدِّي وَأَهِدِّي قَالَ: لِأَنَّ الْكَسْرَةَ فِي الْيَاءِ تَثْقُلُ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ، وَالْأَعْمَشُ: يَهْدِي مُضَارِعُ هَدَى.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ الْهِدَايَةُ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ أَمِ الَّذِي لَا يَهِدِّي، أَيْ لَا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ أَوْ لَا يَهْدِي غَيْرَهُ، إِلَّا أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ.
وَقِيلَ: معناه أَمْ مَنْ لَا يَهْتَدِي مِنَ الْأَوْثَانِ إِلَى مَكَانٍ فَيَنْتَقِلُ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُهْدَى، إِلَّا أَنْ يُنْقَلَ أَوْ لَا يَهْتَدِي، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الِاهْتِدَاءُ إِلَّا بِنَقْلَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَالِهِ إِلَى أَنْ يَجْعَلَهُ حَيَوَانًا مُطْلَقًا فَيَهْدِيَهُ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ إِنْكَارُ الْمُبَرِّدِ مَا قاله الكسائي والفراء وتبعهما الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنْ أَنَّ هَدَى بِمَعْنَى اهْتَدَى.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: وَصَفَ الْأَصْنَامَ بِأَنَّهَا لَا تَهْتَدِي إِلَّا أَنْ تُهْدَى، وَنَحْنُ نَجِدُهَا لَا تَهْتَدِي وَإِنْ هُدِيَتْ. فَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَامِلٌ فِي الْعِبَادَةِ عَنْهَا مُعَامَلَتَهُمْ فِي وَصْفِهَا بِأَوْصَافِ مَنْ يَعْقِلُ، وَذَلِكَ مَجَازٌ وَمَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالَّذِي أَقُولُ إِنَّ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَمْ مَنْ لَا يَهْدِي أَحَدًا إِلَّا أَنْ يُهْدَى ذَلِكَ الْأَحَدُ بِهِدَايَةٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْقِرَاءَاتِ الَّتِي مُقْتَضَاهَا أَمْ مَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَيَتَّجِهُ الْمَعْنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ، وَفِيهِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ تَسْبِيحِ الْجَمَادَاتِ هُوَ اهْتِدَاؤُهَا.
وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (أم من لا يهدي) أَيْ لَا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: (إِلَّا أَنْ يُهْدَى) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُهْدَى كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ لَا يُسْمِعُ غَيْرَهُ إِلَّا أَنْ يَسْمَعَ، أَيْ لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَسْمَعَ.
وَقِيلَ: أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي فِي الرُّؤَسَاءِ الْمُضِلِّينَ انْتَهَى.
وَيَكُونُ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ يَكُونُ فِيهِمْ قَابِلِيَّةُ الْهِدَايَةِ، بِخِلَافِ الْأَصْنَامِ.
(فَمَا لَكُمْ) اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ وَالْإِنْكَارُ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ لَكُمْ فِي اتِّخَاذِ هَؤُلَاءِ الشُّرَكَاءِ إِذْ كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ هِدَايَةِ أَنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَهْدُوا غَيْرَهُمْ؟
(كَيْفَ تَحْكُمُونَ)
اسْتِفْهَامٌ آخَرُ أَيْ: كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِالْبَاطِلِ وَتَجْعَلُونَ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَشُرَكَاءَ؟
وَهَاتَانِ جُمْلَتَانِ أَنْكَرَ فِي الْأُولَى، وَتَعَجَّبَ مِنَ اتِّبَاعِهِمْ مَنْ لَا يَهْدِي وَلَا يَهْتَدِي، وَأَنْكَرَ فِي الثَّانِي حُكْمَهُمْ بِالْبَاطِلِ وَتَسْوِيَةَ الْأَصْنَامِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ.