الضَّمِيرَ فِي (نَحْشُرُهُمْ) عَائِدٌ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِنَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ
وقرأ الحسن وشيبة وَالْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ: (نَحْشُرُهُمْ) بِالنُّونِ.
وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ بِالْيَاءِ.
وَقِيلَ: يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ، وَمِنْهُمْ عَابِدُ غَيْرِ اللَّهِ، وَمَنْ لَا يَعْبُدُ شَيْئًا.
وَانْتَصَبَ (يَوْمَ) عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: ذَكِّرْهُمْ أَوْ خَوِّفْهُمْ وَنَحْوَهُ. و (جميعا) حَالٌ.
وَالشُّرَكَاءُ الشَّيَاطِينُ أَوِ الْمَلَائِكَةُ أَوِ الْأَصْنَامُ أَوْ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
وَمَنْ قَالَ: الْأَصْنَامُ. قَالَ: يُنْفَخُ فِيهَا الرُّوحُ فَيُنْطِقُهَا اللَّهُ بِذَلِكَ مَكَانَ الشَّفَاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِهَا أَطْمَاعَهُمْ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «أَنَّ الْكُفَّارَ إِذَا رَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ قِيلَ لَهُمُ: اتَّبِعُوا مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ وَاللَّهِ لَإِيَّاكُمْ كُنَّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ الْآلِهَةُ: فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا» الْآيَةَ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مُحَاوَرَتَهُمْ إِنَّمَا هِيَ مَعَ الْأَصْنَامِ دُونَ الْمَلَائِكَةِ وعيسى ابْنِ مَرْيَمَ، بِدَلِيلِ الْقَوْلِ لَهُمْ: (مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ) وَدُونَ فِرْعَوْنَ وَمَنْ عُبِدَ مِنَ الْجِنِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: (إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ) وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَغْفُلُوا قَطُّ عَنْ عِبَادَةِ مَنْ عَبَدَهُمْ.
(فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ)
يُقَالُ زِلْتُ الشَّيْءَ عَنْ مَكَانِهِ أُزِيلُهُ.
قَالَ الْفَرَّاءُ: تَقُولُ الْعَرَبُ: زِلْتُ الضَّأْنَ مِنَ الْمَعْزِ فَلَمْ تَزُلْ.
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: التَّزْيِيلُ وَالتَّزَيُّلُ وَالْمُزَايَلَةُ التَّمْيِيزُ وَالتَّفَرُّقُ انْتَهَى.
وَزَيَّلَ مُضَاعَفٌ لِلتَّكْثِيرِ.
فَزَيَّلْنَا فَفَرَّقْنَا بَيْنَهُمْ وَقَطَعْنَا أَقْرَانَهُمْ، وَالْوُصَلَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، أَوْ فَبَاعَدْنَا بَيْنَهُمْ بَعْدَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ وَبَيْنَ شُرَكَائِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا)
وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ: (فَزَايَلْنَا) حَكَاهُ الْفَرَّاءُ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ صَاعَرَ خَدَّهُ، وَصَعَّرَ، وَكَالَمْتُهُ وَكَلَّمْتُهُ انْتَهَى.
يَعْنِي أَنَّ فَاعَلَ بِمَعْنَى فَعَلَ، وَزَايَلَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى فَارَقَ. قال:
وَقَالَ الْعَذَارَى إِنَّمَا أَنْتَ عَمُّنَا ... وَكَانَ الشَّبَابُ كَالْخَلِيطِ يُزَايِلُهْ
وَقَالَ آخَرُ:
لَعَمْرِي لِمَوْتٍ لَا عُقُوبَةَ بَعْدَهُ ... لِذِي الْبَثِّ أَشَفَى مَنْ هَوَى لَا يُزَايِلُهْ
وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّزْيِيلَ أَوِ الْمُزَايَلَةَ هُوَ بِمُفَارَقَةِ الْأَجْسَامِ وَتَبَاعُدِهِ.
وَقِيلَ: فَرَّقْنَا بَيْنَهُمْ فِي الْحُجَّةِ وَالْمَذْهَبِ قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَفَزَيَّلْنَا.
وَقَالَ: هُنَا مَاضِيَانِ لَفْظًا، وَالْمَعْنَى: فَنُزَيِّلُ بَيْنَهُمْ وَنَقُولُ: لِأَنَّهُمَا مَعْطُوفَانِ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ، وَنَفْيُ الشُّرَكَاءِ عِبَادَةَ الْمُشْرِكِينَ هُوَ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: لَإِيَّاكُمْ كُنَّا نَعْبُدُ، وَالْمَعْنَى: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا لِلَّهِ تَعَالَى أَنْدَادًا فَأَطَعْتُمُوهُمْ.