قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَابْنُ جُبَيْرٍ: فُقِدَتْ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ مِنَ الْمَغَانِمِ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا، فَنَزَلَتْ
وَقَائِلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ لَمْ يَظُنَّ فِي ذَلِكَ حَرَجًا.
وَقِيلَ: مُنَافِقٌ.
وَرُوِيَ أَنَّ الْمَفْقُودَ سَيْفٌ.
وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا مِنْ ذَلِكَ مَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّمَا نَزَلَتْ إِعْلَامًا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ (أَنْ يَغُلَّ) مِنْ غَلَّ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنْهُ، لِأَنَّ الْغُلُولَ مَعْصِيَةٌ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُومٌ مِنَ الْمَعَاصِي، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا.
وَهَذَا النَّفْيُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَهَّمَ فِيهِ ذَلِكَ، وَلَا أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَبَاقِي السَّبْعَةِ: (أَنْ يُغَلَّ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ مِنْ غُلَّ.
وَالْمَعْنَى: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُونَهُ فِي الْغَنِيمَةِ، فَهِيَ نَهْيٌ لِلنَّاسِ عَنِ الْغُلُولِ فِي الْمَغَانِمِ، وَخُصَّ النبي صلى الله عليه وَسَلَّمَ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا مَعَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ أشنع لما يحب مِنْ تَعْظِيمِهِ وَتَوْقِيرِهِ، كَالْمَعْصِيَةِ بِالْمَكَانِ الشَّرِيفِ، وَالْيَوْمِ الْمُعَظَّمِ.
(وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ)
ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَأْتِي بِعَيْنِ مَا غَلَّ، وَرَدَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ.
فَفِي الْحَدِيثِ ذَكَرَ الْغُلُولَ وَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: «لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ: مَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ» الْحَدِيثَ
وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ» .
وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا وفرس له حمجة
وَفِي حَدِيثِ مِدْعَمٍ: «إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي غُلَّتْ مِنَ الْمَغَانِمِ يَوْمَ حُنَيْنٍ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا»
وَمَجِيئُهُ بِمَا غَلَّ فضيحة له على رءوس الْأَشْهَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَقِيلَ: يَأْتِي حَامِلًا إِثْمَ مَا غَلَّ.
وَقِيلَ: يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ عِوَضَ مَا غَلَّ.
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي تَعْظِيمِ الْغُلُولِ وَالْوَعِيدِ عَلَيْهِ.
(ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)
ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْجَزَاءَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِمَنْ غَلَّ، بَلْ كُلُّ نَفْسٍ تُوَفَّى جَزَاءً مَا كَسَبَتْ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ، فَصَارَ الْغَالُّ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِخُصُوصِهِ، وَمَرَّةً بِانْدِرَاجِهِ فِي هَذَا الْعَامِّ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَخَلِّصٍ مِنْ تَبِعَةِ مَا غَلَّ، وَمِنْ تبعة مَا كَسَبَتْ مِنْ غَيْرِ الْغُلُولِ.