نَزَلَتْ فِي الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وَذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَ بِالْغَزْوِ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ حَرَّضَ النَّاسَ فَقَالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: «هَلْ لَكَ الْعَامَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ» وَقَالَ لَهُ وَلِلنَّاسِ: «اغْزُوا تَغْنَمُوا بَنَاتِ الْأَصْفَرِ» .
فَقَالَ الْجَدُّ: ائْذَنْ لِي فِي التَّخَلُّفِ وَلَا تفتني بذكر بَنَاتِ الْأَصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنِّي لَا أَتَمَالَكُ عَنِ النِّسَاءِ إِذَا رَأَيْتُهُنَّ وتفتنني، وَلَا تَفْتِنِّي بِالنِّسَاءِ.
هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَابْنِ زَيْدٍ.
وَقِيلَ: وَلَا تَفْتِنِّي أَيْ وَلَا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتَّى أَحْتَاجَ إِلَى مواقعة معصيتك فسهّل أنت عَلَيَّ، وَدَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ.
[وَقِيلَ] لَا تُكْسِبُنِي الْإِثْمَ بِأَمْرِكَ إِيَّايَ بِالْخُرُوجِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخَالَفَتِكَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا تُكَفِّرْنِي بِإِلْزَامِكَ الْخُرُوجَ مَعَكَ.
وَقَالَ ابْنُ بَحْرٍ: لَا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصَالِحِي وَيَذْهَبْ أَكْثَرُ ثِمَارِي.
وَقِيلَ: ولا تفتني فِي الْهَلَكَةِ، فَإِنِّي إِذَا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مَالِي وَعِيَالِي.
وَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَ: وَلَكِنْ أُعِينُكَ بِمَالِي. وَمُتَعَلَّقُ الْإِذْنِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فِي الْقُعُودِ وَفِي مُجَاوَرَتِهِ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نِفَاقِهِ.
وَقَرَأَ وَرْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ (ائْذَنْ لِي) بِإِبْدَالِهَا وَاوًا لِضَمَّةِ مَا قَبْلَهَا.
وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عَمْرٍو: (لَا تُفْتِنِّي) بِضَمِّ التَّاءِ الْأُولَى مِنْ أَفْتَنَ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ هِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ، وَهِيَ أيضا قراءة ابن السميفع، وَنَسَبَهَا ابْنُ مُجَاهِدٍ إِلَى إِسْمَاعِيلَ الْمَكِّيِّ.
وَجَمَعَ الشَّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقَالَ:
لَئِنْ فَتَنَتْنِي فَهِيَ بِالْأَمْسِ أَفْتَنَتْ ... سَعِيدًا فَأَمْسَى قَدْ قَلَا كُلَّ مُسْلِمِ
وَالْفِتْنَةُ الَّتِي سَقَطُوا فِيهَا هِيَ فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ، وَظُهُورُ كُفْرِهِمْ، وَنِفَاقِهِمْ.
وَلَفْظَةُ (سَقَطُوا) تنبئ عَنْ تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ فِيهَا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: الْإِثْمُ بِخِلَافِهِمُ الرَّسُولَ فِي أَمْرِهِ، وَإِحَاطَةُ جَهَنَّمَ بِهِمْ إِمَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوِ الْآنَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. لِأَنَّ أَسْبَابَ الْإِحَاطَةِ مَعَهُمْ فَكَأَنَّهُمْ فِي وَسَطِهَا، أَوْ لِأَنَّ مَصِيرَهُمْ إِلَيْهَا.