فهرس الكتاب

الصفحة 3754 من 4059

{فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(15)}

حُكِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِيُوسُفَ: اطْلُبْ مِنْ أَبِيكَ أَنْ يَبْعَثَكَ مَعَنَا، فَأَقْبَلَ عَلَى يُوسُفَ فَقَالَ: أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ يَعْقُوبُ: إِذَا كَانَ غَدًا أَذِنْتُ لَكَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ يُوسُفُ لَبِسَ ثِيَابَهُ وَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْطَقَتَهُ، وَخَرَجَ مَعَ إِخْوَتِهِ فَشَيَّعَهُمْ يَعْقُوبُ وَقَالَ: يَا بَنِيَّ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَبِحَبِيبِي يُوسُفَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى يُوسُفَ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اسْتَوْدَعَتُكَ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَانْصَرَفَ.

فَحَمَلُوا يُوسُفَ عَلَى أَكْتَافِهِمْ مَا دَامَ يَعْقُوبُ يَرَاهُمْ، ثُمَّ لَمَّا غَابُوا عَنْ عَيْنِهِ طَرَحُوهُ لِيَعْدُوَ مَعَهُمْ إِضْرَارًا بِهِ.

وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً تَتَضَمَّنُ كَيْفِيَّةَ إِلْقَائِهِ فِي غَيَابَةِ الجب ومحاورته لَهُمْ بِمَا يُلِينُ الصَّخْرَ، وَهُمْ لَا يَزْدَادُونَ إِلَّا قَسَاوَةً.

وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْقُرْآنُ وَلَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ لِشَيْءٍ مِنْهَا، فَيُوقَفَ عَلَيْهَا فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ.

وَبَيْنَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَالْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهَا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى تَقْدِيرُهُ: فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوهُ وَأَرْسَلَ مَعَهُمْ يُوسُفَ (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا) أَيْ: عَزَمُوا وَاتَّفَقُوا عَلَى إلقائه في الجب، وأن يَجْعَلُوهُ مَفْعُولُ أَجْمَعُوا، يُقَالُ: أَجْمَعَ الْأَمْرَ وَأَزْمَعَهُ بِمَعْنَى الْعَزْمِ عَلَيْهِ، وَاحْتَمَلَ

أَنْ يَكُونَ الْجَعْلُ هُنَا بِمَعْنَى الْإِلْقَاءِ، وَبِمَعْنَى التَّصْيِيرِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ (لَمَّا) أهو مثبت؟ أم مَحْذُوفٌ؟ فَمَنْ قَالَ: مُثْبَتٌ.

قَالَ: هُوَ قَوْلُهُمْ (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ) أَيْ: لَمَّا كَانَ كَيْتَ وَكَيْتَ، قَالُوا وَهُوَ تَخْرِيجٌ حَسَنٌ.

وَقِيلَ: هُوَ أَوْحَيْنَا، وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ، وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ يُزَادُ عِنْدَهُمْ بَعْدَ لَمَّا، وَحَتَّى إِذَا. وَعَلَى ذَلِكَ خَرَّجُوا قَوْلَهُ: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ) أَيْ: نَادَيْنَاهُ وقوله: (حتى إذا جَاءُوها وَفُتِحَتْ) أَيْ: فُتِحَتْ. وَقَوْلَ امرئ القيس:

فلما أحربا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى

أَيِ: انْتَحَى.

وَمَنْ قَالَ: هُوَ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ رَأْيُ الْبَصْرِيِّينَ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلُوا بِهِ مَا فَعَلُوا مِنَ الْأَذَى، وَحَكَى الْحِكَايَةَ الطَّوِيلَةَ فِيمَا فَعَلُوا بِهِ، وَمَا حَاوَرُوهُ وَحَاوَرَهُمْ بِهِ. قَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ عَظُمَتْ فِتْنَتُهُمْ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ جَعَلُوهُ فِيهَا، وَهَذَا أَوْلَى إِذْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ)

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) عَائِدٌ عَلَى يُوسُفَ، وَهُوَ وَحْيُ إِلْهَامٍ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَوْ مَنَامٍ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فِي الْبِئْرِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: أَعْطَاهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ فِي الْجُبِّ وَكَانَ صَغِيرًا، كَمَا أَوْحَى إِلَى يَحْيَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَهُوَ ظَاهِرُ (أَوْحَيْنَا) وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى يُوسُفَ قَوْلُهُ لَهُمْ (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) .

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي (إِلَيْهِ) عَائِدٌ عَلَى يَعْقُوبَ، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ لِيَأْنَسَ فِي الظُّلْمَةِ مِنَ الوحدة، وليبشر بما يؤول إليه أمره، ومعناه: لتتخلص مِمَّا أَنْتَ فِيهِ، وَلَتُحَدِّثَنَّ إِخْوَتَكَ بِمَا فَعَلُوا بِكَ.

(وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ قَوْلِهِ: (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا) أَيْ: غَيْرَ عَالِمِينَ أَنَّكَ يُوسُفُ وَقْتَ التَّنْبِئَةِ قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَذَلِكَ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وَعَظَمَةِ سُلْطَانِكَ، وَبُعْدِ حَالِكَ عَنْ أَذْهَانِهِمْ، وَلِطُولِ الْعُمُرِ الْمُبْدِلِ لِلْهَيْئَاتِ وَالْأَشْكَالِ.

وَذَكَرَ أَنَّهُمْ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ مُمْتَارِينَ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، دَعَا بِالصُّوَاعِ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ ثُمَّ نَقَرَهُ فَطَنَّ فَقَالَ: إِنَّهُ لَيُخْبِرُنِي هَذَا الْجَامُ أَنَّهُ كَانَ لَكُمْ أَخٌ مِنْ أَبِيكُمْ يُقَالُ لَهُ: يُوسُفُ، وَكَانَ يُدْنِيهِ دُونَكُمْ، وَأَنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ وَأَلْقَيْتُمُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَقُلْتُمْ لِأَبِيكُمْ: أَكَلَهُ الذِّئْبُ. وَبِيعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) حَالًا مِنْ قَوْلِهِ: (وَأَوْحَيْنَا) أَيْ: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. أَيْ: بِإِيحَائِنَا إِلَيْكَ وَمَا أَخْبَرْنَاكَ بِهِ مِنْ نَجَاتِكَ وَطُولِ عُمُرِكَ، إِلَى أَنْ تُنَبِّئَهُمْ بِمَا فَعَلُوا بِكَ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ) بِتَاءِ الْخِطَابِ، وَابْنُ عُمَرَ بِيَاءِ الْغَيْبَةِ، وَكَذَا فِي بَعْضِ مَصَاحِفِ الْبَصْرَةِ.

وَقَرَأَ سلام بِالنُّونِ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْأَخْبَارِ وَالْقَصَصِ أَنَّ يُوسُفَ كَانَ صَغِيرًا، فَقِيلَ: كَانَ عُمُرُهُ إِذْ ذَاكَ سَبْعَ سِنِينَ.

وَقِيلَ: سِتٌّ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ.

وَأَبْعَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَثَمَانَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكِلَاهُمَا عَنِ الْحَسَنِ، أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً قَالَهُ ابْنُ السَّائِبِ.

وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا بِحَيْثُ لَا يَدْفَعُ نَفْسَهُ قَوْلُهُ: (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) وَ (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، وَأَخْذُ السَّيَّارَةِ لَهُ، وَقَوْلُ الْوَارِدِ: هَذَا غُلَامٌ، وَقَوْلُ الْعَزِيزِ: عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا، وَمَا حُكِيَ مِنْ حَمْلِهِمْ إِيَّاهُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَمِنْ كَلَامِهِ لِأَخِيهِ يَهُوذَا: ارْحَمْ ضَعْفِي وَعَجْزِي وَحَدَاثَةَ سِنِّي، وَارْحَمْ قَلْبَ أَبِيكَ يَعْقُوبَ.

وَمَنْ هُوَ ابْنُ ثَمَانَ عَشْرَةَ سَنَةً لَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِي رُفْقَةٍ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ قَادِرٌ عَلَى التَّحَيُّلِ فِي نَجَاةِ نَفْسِهِ، وَلَا يُسَمَّى غُلَامًا إِلَّا بِمَجَازٍ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت