هَذِهِ الرُّؤْيَةُ هِيَ يَقَظَةٌ لَا مَنَامٌ وَقَلَّلَ الْكُفَّارَ فِي أَعْيُنِ الْمُؤْمِنِينَ تَحْقِيرًا لَهُمْ وَلِئَلَّا يَجْبُنُوا عَنْ لِقَائِهِمْ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ قُلِّلُوا فِي أَعْيُنِنَا حَتَّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِي: أَتَرَاهُمْ سَبْعِينَ.
قَالَ: أَرَاهُمْ مِائَةً وَهَذَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَسْمَعْ مَا أُعْلِمَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَدَدِهِمْ، وَقُلِّلَ الْمُؤْمِنُونَ فِي أَعْيُنِ الْكُفَّارِ حَتَّى قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: إِنَّمَا هُمْ أَكَلَةُ جَزُورٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ الِالْتِقَاءِ وَذَلِكَ لِيَجْتَرِئُوا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَتَقَعَ الْحَرْبُ وَيَلْتَحِمَ الْقِتَالُ، إِذْ لَوْ كَثُرُوا قَبْلَ اللِّقَاءِ لَأَحْجَمُوا وَتَحَيَّلُوا فِي الْخَلَاصِ أَوِ اسْتَعَدُّوا وَاسْتَنْصَرُوا، وَلَمَّا الْتَحَمَ الْقِتَالُ كَثَّرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَعْيُنِ الْكُفَّارِ فَبُهِتُوا وَهَابُوا وَفَلَّتْ شَوْكَتُهُمْ، وَرَأَوْا مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِمْ كَمَا قَالَ (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) وَعِظَمُ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمُ اسْتِيضَاحُ الْآيَةِ الْبَيِّنَةِ مِنْ قِلَّتِهِمْ أَوَّلًا وَكَثْرَتِهِمْ آخِرًا وَرُؤْيَةُ كُلٍّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ يَكُونُ بِأَنْ سَتَرَ اللَّهُ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ، أَوْ بِأَنْ أَحْدَثَ فِي أَعْيُنِهِمْ مَا يَسْتَقِلُّونَ بِهِ الْكَثِيرَ هَذَا إِذَا كَانَتِ الرُّؤْيَةُ حَقِيقَةً.
وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى التَّخْمِينِ وَالْحَذَرِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ النَّاسُ فَيُمْكِنُ ذَلِكَ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَنْدَرِجُ الرَّسُولُ فِي خِطَابٍ (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى أَنْ يَرَى الْكَثِيرَ قَلِيلًا لَا حَقِيقَةً وَلَا تَخْمِينًا عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ تَقْلِيلِ الْقَدْرِ وَالْمَهَابَةِ وَالنَّجْدَةِ لَا مِنْ بَابِ تَقْلِيلِ الْعَدَدِ أَلَا تَرَى قَوْلَهُمُ الْمَرْءُ كثيرا بِأَخِيهِ، وَإِلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَرُوحُ وَأَغْتَدِي سَفَهًا ... أُكَثِّرُ مَنْ أَقِلُّ بِهِ
فَهَذَا مِنْ بَابِ التَّقْلِيلِ وَالتَّكْثِيرِ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْقَدْرِ، لَا مِنْ بَابِ تَقْلِيلِ الْعَدَدِ
(لِيَقْضِيَ)
أَيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَقْضِيَ وَالْمَفْعُولُ فِي الْآيَتَيْنِ هُوَ الْقِصَّةُ بِأَسْرِهَا.
وَقِيلَ هما المعنيين مِنْ مَعَانِي الْقِصَّةِ أُرِيدَ بِالْأَوَّلِ الْوَعْدُ بِالنُّصْرَةِ يَوْمَ بَدْرٍ وَبِالثَّانِي الِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهَا.