فهرس الكتاب

الصفحة 1544 من 4059

{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ(28)}

(إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً)

هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّعٌ مِنَ الْمَفْعُولِ لَهُ، وَالْمَعْنَى لَا يَتَّخِذُوا كَافِرًا وَلِيًّا لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا لِسَبَبِ التَّقِيَّةِ، فَيَجُوزُ إِظْهَارُ الْمُوَالَاةِ بِاللَّفْظِ وَالْفِعْلِ دُونَ مَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ وَالضَّمِيرُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّقِيَّةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا مُدَارَاةٌ ظَاهِرَةٌ.

وَقَالَ: يَكُونُ مَعَ الْكُفَّارِ أَوْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَيَتَّقِيهِمْ بِلِسَانِهِ، وَلَا مَوَدَّةَ لَهُمْ فِي قَلْبِهِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا كَانَ الْكُفَّارُ غَالِبِينَ، أَوْ يَكُونُ الْمُؤْمِنُونَ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ فَيَخَافُونَهُمْ، فَلَهُمْ أَنْ يُحَالِفُوهُمْ وَيُدَارُوهُمْ دَفْعًا لِلشَّرِّ وَقَلْبُهُمْ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: خَالِطُوا النَّاسَ وَزَايِلُوهُمْ وَعَامِلُوهُمْ بِمَا يَشْتَهُونَ، وَدِينُكُمْ فَلَا تُثْلِمُوهُ.

وَقَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: خَالِصِ الْمُؤْمِنَ وَخَالِقِ الْكَافِرِ، إِنَّ الْكَافِرَ يَرْضَى مِنْكَ بِالْخُلُقِ الْحَسَنِ.

وَقَالَ الصَّادِقُ: التَّقِيَّةُ وَاجِبَةٌ، إِنِّي لَأَسْمَعُ الرَّجُلَ فِي الْمَسْجِدِ يَشْتُمُنِي فَأَسْتَتِرُ مِنْهُ بِالسَّارِيَةِ لِئَلَّا يَرَانِي.

وَقَالَ: الرِّيَاءُ مَعَ الْمُؤْمِنِ شِرْكٌ، وَمَعَ الْمُنَافِقِ عِبَادَةٌ.

وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانَتِ التَّقِيَّةُ فِي جَدَّةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ الدِّينِ وَقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّقُوهُمْ بِأَنْ يَتَّقُوا مِنْ عَدُوِّهِمْ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَقِيَّةَ فِي الْقَتْلِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا قَطِيعَةَ الرَّحِمِ فَخَالِطُوهُمْ فِي الدُّنْيَا.

وَفِي قَوْلِهِ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا الْتِفَاتٌ، لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ، وَلَوْ جَاءَ عَلَى نَظْمِ الْأَوَّلِ لَكَانَ: إِلَّا أَنْ يَتَّقُوا، بِالْيَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَسْفَلَ، وَهَذَا النَّوْعُ فِي غَايَةِ الْفَصَاحَةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ نُهُوا عَنْ فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ، جَعَلَ ذَلِكَ فِي اسْمٍ غَائِبٍ، فَلَمْ يُوَاجَهُوا بِالنَّهْيِ، وَلَمَّا وَقَعَتِ الْمُسَامَحَةُ وَالْإِذْنُ فِي بَعْضِ ذَلِكَ وَوُجِّهُوا بِذَلِكَ إِيذَانًا بِلُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ، وَتَشْرِيفًا بِخِطَابِهِ إِيَّاهُمْ.

وظاهر الآية يقتضي جواز مُوَالَاتِهِمْ عِنْدَ الْخَوْفِ مِنْهُمْ، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا فِي التَّقِيَّةِ، إِذْ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْآيَةِ، فَقَالُوا: أَمَّا الْمُوَالَاةُ بِالْقَلْبِ فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ فِي تَحْرِيمِهَا، وَكَذَلِكَ الْمُوَالَاةُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ تَقِيَّةٍ، وَنُصُوصُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَالنَّظَرُ فِي التَّقِيَّةِ يَكُونُ فِيمَنْ يُتَّقَى مِنْهُ؟ وَفِيمَا يُبِيحُهَا؟ وَبِأَيِّ شَيْءٍ تَكُونُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ؟ فَأَمَّا مَنْ يُتَّقَى مِنْهُ فَكُلُّ قَادِرٍ غَالِبٍ يُكْرَهُ بِجَوْرٍ مِنْهُ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: الْكُفَّارُ، وَجَوَرَةُ الرُّؤَسَاءِ، وَالسَّلَّابَةُ، وَأَهْلُ الْجَاهِ فِي الْحَوَاضِرِ.

قَالَ مَالِكٌ: وَزَوْجُ الْمَرْأَةِ قَدْ يُكْرَهُ وَأَمَّا ما يببحها: فَالْقَتْلُ، وَالْخَوْفُ عَلَى الْجَوَارِحِ، وَالضَّرْبُ بِالسَّوْطِ، وَالْوَعِيدُ، وَعَدَاوَةُ أَهْلِ الْجَاهِ الْجَوْرَةِ.

وَأَمَّا بِأَيِّ شَيْءٍ تَكُونُ مِنَ الْأَقْوَالِ؟ فَبِالْكُفْرِ فَمَا دُونَهُ مِنْ: بَيْعٍ، وَهِبَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَأَمَّا مِنَ الْأَفْعَالِ: فَكُلُّ مُحَرَّمٍ.

وَقَالَ مَسْرُوقٌ: إِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ دَخْلَ النَّارَ، وَهَذَا شَاذٌّ.

وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: التَّقِيَّةُ تَكُونُ فِي الْأَقْوَالِ دُونَ الْأَفْعَالِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالرَّبِيعِ، وَالضَّحَّاكِ.

وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: التَّقِيَّةُ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ، فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ أَظْهَرَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ أَمْرٍ فِيهِ إِعْزَازُ الدِّينِ فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَفْضَلُ مِنَ الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ.

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: إِنْ عُرِضْتَ عَلَى السَّيْفِ تُجِيبُ؟ قَالَ: لَا.

وَقَالَ: إِذَا أَجَابَ الْعَالِمُ تَقِيَّةً، وَالْجَاهِلُ يَجْهَلُ، فَمَتَى يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ؟ وَالَّذِي نَقَلَ إِلَيْنَا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ أَنَّ الصَّحَابَةَ، وَتَابِعِيَهُمْ، بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ. وَأَنَّهُمْ لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَلَا سَطْوَةَ جَبَّارٍ ظَالِمٍ.

وَقَالَ الرَّازِيُّ: إِنَّمَا تَجُوزُ التَّقِيَّةُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْحَقِّ وَالدِّينِ، وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ ضَرُورَةً إِلَى الْغَيْرِ: كَالْقَتْلِ، وَالزِّنَا، وَغَصْبِ الْأَمْوَالِ، وَالشَّهَادَةِ بِالزُّورِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ، وَاطِّلَاعِ الْكُفَّارِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ فَغَيْرُ جَائِزٍ ألْبَتَّةَ.

وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَعَ الْكُفَّارِ الْغَالِبِينَ، إِلَّا أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْحَالَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا شَاكَلَتِ الْحَالَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ جَازَتِ التَّقِيَّةُ مُحَامَاةً عَنِ النَّفْسِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ لِصَوْنِ النَّفْسِ وَالْمَالِ. انْتَهَى.

قِيلَ: وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ فِي شَيْءٍ، فَإِذَا كَانَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ مُسْلِمٌ بِإِسْلَامِ أُمِّهِ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفٍ وَلَا تَزَوُّجٍ وَلَا غَيْرِهِ.

قِيلَ: وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَعْقِلُ جِنَايَةَ الْمُسْلِمِ، وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ لَا يَعْقِلُ جِنَايَتَهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُوَالَاةِ وَالنُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت