{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) }
(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ)
وَإِنَّمَا كُرِّرَتْ هُنَا لِدَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي ذَلِكَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ اتِّخَاذَ الْعِجْلِ لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ؟ بَلْ فِيهَا أَنْ يُفْرَدَ اللَّهُ بِالْعِبَادَةِ، وَلِأَنَّ عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ الْمَعَاصِي، فَكَرَّرَ عِبَادَةَ الْعِجْلِ تَنْبِيهًا عَلَى عَظِيمِ جُرْمِهِمْ. وَلِأَنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ قَبْلُ، أَعْقَبَهُ تَعْدَادُ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ) ، و (فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) . وَهُنَا أَعْقَبَهُ التَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ.
ولأن في قِصَّةِ الطُّورِ ذِكْرَ تَوَلِّيهِمْ عما أمروا به، من قَبُولِ التَّوْرَاةِ وَعَدَمِ رِضَاهُمْ بِأَحْكَامِهَا اخْتِيَارًا، حَتَّى أُلْجِئُوا إِلَى الْقَبُولِ اضْطِرَارًا، فَدَعْوَاهُمُ الْإِيمَانَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
ثُمَّ فِي قِصَّةِ الطُّورِ تَذْيِيلٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ. وَالْعَرَبُ مَتَى أَرَادَتِ التَّنْبِيهَ عَلَى تَقْبِيحِ شَيْءٍ أَوْ تَعْظِيمِهِ، كَرَّرَتْهُ.
وَفِي هَذَا التَّكْرَارِ أَيْضًا مِنَ الْفَائِدَةِ تِذْكَارُهُمْ بِتَعْدَادِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَنِقَمِهِ مِنْهُمْ، لِيَزْدَجِرَ الْأَخْلَافُ بِمَا حَلَّ بِالْأَسْلَافِ.
(وَاسْمَعُوا) أَيِ: اقْبَلُوا مَا سَمِعْتُمْ، كَقَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، أَوِ اسْمَعُوا مُتَدَبِّرِينَ لِمَا سَمِعْتُمْ، أَوِ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا. لِأَنَّ فَائِدَةَ السَّمَاعِ الطَّاعَةُ.
قَالَهُ الْمُفَضَّلُ.
وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ قَرِيبٌ.
قَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: مَعْنَى اسْمَعُوا: افْهَمُوا.
وَقِيلَ: اعْمَلُوا، وَوَجَّهَهُ أَنَّ السَّمْعَ يُسْمَعُ بِهِ، ثُمَّ يُتَخَيَّلُ، ثُمَّ يُعْقَلُ، ثُمَّ يُعْمَلُ بِهِ إِنْ كَانَ مِمَّا يَقْتَضِي عَمَلًا.
وَلَمَّا كَانَ السَّمَاعُ مُبْتَدَأً، وَالْعَمَلُ غَايَةً، وَمَا بَيْنَهُمَا وَسَائِطَ، صَحَّ أَنْ يُرَادَ بَعْضُ الْوَسَائِطِ، وَصَحَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْغَايَةُ. قالُوا: هَذَا مِنَ الِالْتِفَاتِ، إِذْ لَوْ جَاءَ عَلَى الْخِطَابِ لَقَالَ: قُلْتُمْ سَمِعْنا وَعَصَيْنا: ظَاهِرُهُ أَنَّ كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ مَقُولَةٌ، وَنَطَقُوا بِذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي التَّعَنُّتِ وَالْعِصْيَانِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا إِذَا نَظَرُوا إِلَى الْجَبَلِ قَالُوا:
سَمِعْنا وَأَطَعْنا، وَإِذَا نَظَرُوا إِلَى الْكِتَابِ قَالُوا: سَمِعْنا وَعَصَيْنا.
وَقِيلَ: الْقَوْلُ هُنَا مَجَازٌ، وَلَمْ يَنْطِقُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْجُمْلَتَيْنِ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَقْبَلُوا شَيْئًا مِمَّا أُمِرُوا بِهِ، جُعِلُوا كَالنَّاطِقِينَ بِذَلِكَ.
وَقِيلَ: يُعَبَّرُ بِالْقَوْلِ لِلشَّيْءِ عَمَّا يُفْهَمُ بِهِ مِنْ حَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نُطْقٌ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى سَمِعْنَا بِآذَانِنَا وَعَصَيْنَا بِقُلُوبِنَا، وَهَذَا رَاجِعٌ لِمَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قَالَ: قَالُوا سَمِعْنَا قَوْلَكَ وَعَصَيْنَا أَمْرَكَ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ طَابَقَ قَوْلُهُ جَوَابَهُمْ؟
قُلْتُ: طَابَقَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَالَ لَهُمُ اسْمَعُوا، وَلْيَكُنْ سَمَاعُكُمْ سَمَاعَ تَقَبُّلٍ وَطَاعَةٍ، فَقَالُوا سَمِعْنَا وَلَكِنْ لَا سَمَاعَ طَاعَةٍ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ، لِأَنَّا لَا نَصِيرُ إِلَى التَّأْوِيلِ مَعَ إِمْكَانِ حَمْلِ الشَّيْءِ عَلَى ظَاهِرِهِ، لَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ.
(وَأُشْرِبُوا)
وَالْإِشْرَابُ مُخَالَطَةُ الْمَائِعِ الْجَامِدَ، وَتُوُسِّعَ فِيهِ حَتَّى صَارَ فِي اللَّوْنَيْنِ، قَالُوا: وَأَشْرَبْتُ الْبَيَاضَ حُمْرَةً، أَيْ خَلَطْتُهَا بِالْحُمْرَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ دَاخَلَهُمْ حُبُّ عِبَادَتِهِ، كَمَا دَاخَلَ الصَّبْغُ الثَّوْبَ، وَأَنْشَدُوا:
إِذَا مَا الْقَلْبُ أُشْرِبَ حُبَّ شَيْءٍ ... فَلَا تَأْمَلْ لَهُ عَنْهُ انْصِرَافَا
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقَالُ أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّ كَذَا، أَيْ حَلَّ مَحَلَّ الشَّرَابِ وَمَازَجَهُ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْ حُبِّ الْعِجْلِ بِالشُّرْبِ دُونَ الْأَكْلِ، لِأَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ يَتَغَلْغَلُ فِي الْأَعْضَاءِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى بَاطِنِهَا، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ:
جَرَى حُبُّهَا مَجْرَى دَمِي فِي مَفَاصِلِي ... فَأَصْبَحَ لِي عَنْ كُلِّ شُغْلٍ بِهَا شُغْلُ
وَأَمَّا الطَّعَامُ فقالوا: هو مُجَاوِرٌ لَهَا، غَيْرُ مُتَغَلْغِلٍ فِيهَا، وَلَا يَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ مِنْهُ إِلَّا يَسِيرٌ، وَقَالَ:
تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ فِي فُؤَادِي ... فَبَادِيهِ مَعَ الْخَافِي يَسِيرُ
وَحَسُنَ حَذْفُ ذَيْنِكَ الْمُضَافَيْنِ، وَأُسْنِدَ الْإِشْرَابُ إِلَى ذَاتِ الْعِجْلِ مُبَالَغَةً كَأَنَّهُ بِصُورَتِهِ أُشْرِبُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَذْفِ.
وَقِيلَ: مَعْنَى أُشْرِبُوا: أَيْ شَدَّ فِي قُلُوبِهِمْ حُبُّ الْعِجْلِ لِشَغَفِهِمْ بِهِ، مِنْ أَشْرَبْتُ الْبَعِيرَ: إِذَا شَدَدْتَ حَبْلًا فِي عُنُقِهِ.
وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الشُّرْبِ حَقِيقَةً، وَذَلِكَ أَنَّهُ نُقِلَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَرَدَ الْعِجْلَ بِالْمِبْرَدِ وَرَمَاهُ فِي الْمَاءِ وَقَالَ لَهُمُ: اشْرَبُوا، فَشَرِبَ جَمِيعُهُمْ. فَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْعِجْلَ خَرَجَتْ بُرَادَتُهُ عَلَى شَفَتَيْهِ، وَهَذَا قَوْلٌ يَرُدُّهُ قَوْلِهِ: (فِي قُلُوبِهِمُ) .
وَرُوِيَ أَنَّ الَّذِينَ تَبَيَّنَ لَهُمْ حُبُّ الْعِجْلِ أَصَابَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الْجُبْنُ.
وَبِنَاؤُهُ لِلْمَفْعُولِ فِي قَوْلِهِ: (وَأُشْرِبُوا) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فُعِلَ بِهِمْ، وَلَا يَفْعَلُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: جَاءَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِفَرْطِ وُلُوعِهِمْ بِعِبَادَتِهِ، كَمَا يُقَالُ: مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ، أَوْ لِأَنَّ السَّامِرِيَّ وَإِبْلِيسَ وَشَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ الشُّرْبُ مَادَّةً لِحَيَاةِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ، نُسِبَ ذَلِكَ إِلَى الْمَحَبَّةِ، لِأَنَّهَا مَادَّةٌ لِجَمِيعِ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنَ الْأَفْعَالِ.
(بِكُفْرِهِمْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْبَاءَ لِلسَّبَبِ، أَيِ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ هُوَ كُفْرُهُمُ السَّابِقُ.
قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ، يَعْنُونَ أَنْ يَكُونَ لِلْحَالِ، أَيْ مَصْحُوبًا بِكُفْرِهِمْ، فَيَكُونَ ذَلِكَ كُفْرًا عَلَى كفر.
(قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ)
وَعَنَى بِإِيمَانِهِمُ الَّذِي زَعَمُوا فِي قَوْلِهِمْ: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا.
وَأَضَافَ الْأَمْرُ إِلَى إِيمَانِهِمْ عَلَى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ، كَمَا قَالَ أَصْحَابُ شُعَيْبٍ:
(أصلاتك تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ) ؟ وَقِيلَ: ثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ صَاحِبُ إِيمَانِكُمْ، وَهُوَ إِبْلِيسُ.
وَقِيلَ: ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ التَّقْدِيرُ إِيمَانُكُمُ الْبَاطِلُ.
وَأَضَافَ: الْإِيمَانَ إِلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ إِيمَانًا غَيْرَ صَحِيحٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلِ الْإِيمَانُ.
قَالَهُ بَعْضُ مُعَاصِرِينَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) قيل: (إن) نافية.
وَقِيلَ: شَرْطِيَّةٌ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَشْكِيكٌ فِي إِيمَانِهِمْ، وَقَدْحٌ فِي صِحَّةِ دَعْوَاهُمْ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَدْ يَأْتِي الشَّرْطُ، وَالشَّارِطُ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى أَحَدِ الْجِهَتَيْنِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) ، وَقَدْ عَلِمَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، وَكَذَلِكَ: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَالْقَائِلُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُ أَقَامَ حُجَّةً لِقِيَاسٍ بَيِّنٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَهُوَ يُؤَوَّلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إِلَى نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أَيْ إِنْ كنتم مؤمنين فبئس ما يأمركم به إيمانكم. وقيل تَقْدِيرُهُ: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلَا تَقْتُلُوا الْأَنْبِيَاءَ، وَلَا تُكَذِّبُوا الرُّسُلَ، وَلَا تَكْتُمُوا الْحَقَّ. وَتَقْدِيرُ الْحَذْفِ الْأَوَّلِ أَعْرَبُ وَأَقْوَى.