وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى تِلْكَ النِّعَمَ الْعَظِيمَةَ، ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهَا فَقَالَ: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) .
وَالْخِطَابُ لِلْجِنْسِ مِنَ الْبَشَرِ أَيْ: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ أُوتِيَ مِنْ كل ما شأن أَنْ يَسْأَلَ وَيَنْتَفِعَ بِهِ، وَلَا يَطَّرِدُ هَذَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا تَفَرَّقَتْ هَذِهِ النِّعَمُ فِي الْبَشَرِ فَيُقَالُ: بِحَسَبِ هَذَا الْجَمِيعِ أُوتِيتُمْ كَذَا عَلَى جِهَةِ التَّقْرِيرِ لِلنِّعْمَةِ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٌّ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرُو بْنُ قَائِدٍ، وَقَتَادَةُ، وَسَلَامٌ، وَيَعْقُوبُ، وَنَافِعٌ فِي رِوَايَةٍ: (مِنْ كُلٍّ) بِالتَّنْوِينِ
أَيْ: مِنْ كُلِّ هَذِهِ المخلوقات المذكورات.
و (مَا) مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ ثَانٍ أَيْ: مَا شَأْنُهُ أَنْ يَسْأَلَ بِمَعْنَى يَطْلُبُ الِانْتِفَاعَ بِهِ.
وَقِيلَ: (مَا) نَافِيَةٌ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي هُوَ مِنْ كُلٍّ كَقَوْلِهِ: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) أَيْ غَيْرَ سَائِلِيهِ.
أَخْبَرَ بِسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا لَمْ يَسْأَلُوهُ مِنَ النِّعَمِ، وَلَمْ يَعْرِضْ لِمَا سَأَلُوهُ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ النِّعْمَةَ هُوَ الْمُنْعَمُ بِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ اسْمُ جِنْسٌ لَا يُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ بَلْ يُرَادُ بِهِ الْجَمْعُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ وَمَعْنَى لَا تحصوها، لَا تُحْصُوهَا، لَا تَحْصُرُوهَا وَلَا تُطِيقُوا عَدَّهَا، هَذَا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَعُدُّوهَا عَلَى الْإِجْمَالِ.
وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَنْ لَمْ يَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِلَّا فِي مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ، وَحَضَرَ عَذَابُهُ.
وَالْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ هُنَا الْجِنْسُ أَيْ: تُوجَدُ فِيهِ هَذِهِ الْخِلَالُ وَهِيَ: الظُّلْمُ، وَالْكُفْرُ، يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإِغْفَالِ شُكْرِهَا، وَيَكْفُرُهَا بِجَحْدِهَا.
وَقِيلَ: ظَلُومٌ فِي الشِّدَّةِ فَيَشْكُو وَيَجْزَعُ، كَفَّارٌ فِي النِّعْمَةِ يَجْمَعُ وَيَمْنَعُ.
وَفِي النَّحْلِ: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) وَالْفَرْقَ بَيْنَ الْخَتْمَيْنِ: أَنَّهُ هُنَا تَقَدَّمَ قَوْلِهِ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) وَبَعْدَهُ (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) فَكَانَ ذَلِكَ نَصًّا عَلَى مَا فَعَلُوا مِنَ الْقَبَائِحِ مِنْ كُفْرَانِ النِّعْمَةِ وَالظُّلْمِ الَّذِي هُوَ الشِّرْكُ، بِجَعْلِ الْأَنْدَادِ نَاسَبَ أَنْ يختم بِذَمِّ مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَجَاءَ (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) .
وَأَمَّا فِي النَّحْلِ فَلَمَّا ذَكَرَ عِدَّةَ تَفَضُّلَاتٍ، وَأَطْنَبَ فِيهَا، وَقَالَ: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) أَيْ: مَنْ أَوْجَدَ هَذِهِ النِّعَمَ السَّابِقَ ذِكْرُهَا لَيْسَ كَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخَلْقِ وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، ذَكَرَ مِنْ تَفَضُّلَاتِهِ اتِّصَافَهُ بِالْعَذَابِ وَالرَّحْمَةِ تَحْرِيضًا عَلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَأَنَّ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ هُوَ مُتَّصِفٌ بِهِمَا، كَمَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِالْخَلْقِ، فَفِي ذَلِكَ إِطْمَاعٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِ.
وَانْتَقَلَ مِنْ عِبَادَةِ الْمَخْلُوقِ إِلَى عِبَادَةِ الْخَالِقِ أَنَّهُ يَغْفِرُ زَلَلَهُ السَّابِقَ وَيَرْحَمُهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُتَفَضِّلُ بِالنِّعَمِ عَلَى الْإِنْسَانِ، ذَكَرَ مَا حَصَلَ مِنَ الْمُنْعِمِ، وَمِنْ جِنْسِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ مِنَ الْمُنْعِمِ مَا يُنَاسِبُهُ حَالَةَ عَطَائِهِ وَهُوَ الْغُفْرَانُ وَالرَّحْمَةُ، إِذْ لَوْلَاهُمَا لَمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ.
وَحَصَلَ مِنْ جِنْسِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ مَا يُنَاسِبُهُ حَالَةَ الْإِنْعَامِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الظُّلْمُ وَالْكُفْرَانُ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِنْ صَدَرَ مِنَ الْإِنْسَانِ ظُلْمٌ فَاللَّهُ غَفُورٌ، أَوْ كُفْرَانُ نِعْمَةٍ فَاللَّهُ رَحِيمٌ، لِعِلْمِهِ بِعَجْزِ الْإِنْسَانِ وَقُصُورِهِ.
وَدَعْوَى أنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بآية النَّحْلِ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، وَنَقَلَ ذَلِكَ السَّخَاوِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زيد بن أسلم.