وَالْقَائِلُ: لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ، رُوبِيلُ قَالَهُ قَتَادَةُ وَابْنُ إِسْحَاقَ، أَوْ شَمْعُونُ قَالَهُ مُجَاهِدٌ، أَوْ يَهُوذَا وَكَانَ أَحَلَمَهُمْ وَأَحْسَنَهُمْ فِيهِ رَأْيًا وَهُوَ الَّذِي قَالَ: (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) قَالَ لَهُمْ: الْقَتْلُ عَظِيمٌ.
قَالَهُ السدي، أو ذان. أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، وَهَذَا عَطْفٌ مِنْهُمْ عَلَى أَخِيهِمْ. لِمَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ إِنْفَاذِ قَضَائِهِ وَإِبْقَاءٍ عَلَى نَفْسِهِ، وَسَبَبٍ لِنَجَاتِهِمْ مِنَ الْوُقُوعِ فِي هَذِهِ الْكَبِيرَةِ وَهُوَ إِتْلَافُ النَّفْسِ بِالْقَتْلِ.
قَالَ الْهَرَوِيُّ: الْغَيَابَةُ فِي الْجُبِّ شَبَهُ لِحْفٍ، أَوْ طَاقٍ فِي الْبِئْرِ فُوَيْقَ الْمَاءِ يَغِيبُ مَا فِيهِ عَنِ الْعُيُونِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْغَيَابَةُ كُمُونٌ فِي قَعْرِ الْجُبِّ، لأن أسفله واسع ورأيه ضَيِّقٌ، فَلَا يَكَادُ النَّاظِرُ يَرَى مَا فِي جَوَانِبِهِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَوْرُهُ وَهُوَ مَا غَابَ مِنْهُ عَنْ عَيْنِ النَّاظِرِ وَأَظْلَمُ مِنْ أَسْفَلِهِ انْتَهَى.
مِنْهُ قِيلَ للقبر: غيابة، قال المتنحل السَّعْدِيُّ.
فَإِنْ أَنَا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيَابَتِي ... فَسِيرُوا بِسَيْرِي فِي الْعَشِيرَةِ وَالْأَهْلِ
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: (غيابة) على الإفراد، ونافع: (غَيَابَاتِ) عَلَى الْجَمْعِ، جَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِمَّا يَغِيبُ فِيهِ غَيَابَةً.
وَقَرَأَ ابْنُ هُرْمُزَ: (غَيَّابَاتٍ) بِالتَّشْدِيدِ وَالْجَمْعِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ سُمِّيَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ الَّذِي لِلْمُبَالَغَةِ، فَهُوَ وَصْفٌ فِي الْأَصْلِ، وَأَلْحَقَهُ أَبُو عَلِيٍّ بِالِاسْمِ الجائي عَلَى فِعَالٍ نَحْوَ مَا ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِنَ الْغَيَادِ.
قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: وَوَجَدْتُ مِنْ ذَلِكَ الْمَبَارَ الْمُبَرَّحَ وَالْفَخَارَ الْخَزَفَ.
وَقَالَ صَاحِبُ الَّلَوَامِحِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى فَعَّالَاتٍ كَحَمَّامَاتٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى فَيْعَالَاتٍ كَشَيْطَانَاتٍ فِي جَمْعِ شَيْطَانَةٍ، وَكُلٌّ لِلْمُبَالَغَةِ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (فِي غَيْبَةٍ) فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرًا كَالْغَلَبَةِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ غَائِبٍ كَصَانِعٍ وَصَنْعَةٍ.
وَفِي حِرَفِ أُبَيٍّ (فِي غَيْبَةٍ) بِسُكُونِ الْيَاءِ، وَهِيَ ظُلْمَةُ الرَّكِيَّةِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي جَمَاعَةٍ: الْجُبُّ بِئْرُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَقَالَ وَهْبٌ: بِأَرْضِ الْأُرْدُنِّ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: عَلَى ثَلَاثِ فَرَاسِخَ مِنْ مَنْزِلِ يَعْقُوبَ.
وَقِيلَ: بَيْنَ مَدَيْنَ وَمِصْرَ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو رَجَاءٍ: (تَلْتَقِطْهُ) بِتَاءِ التَّأْنِيثِ، أُنِّثَ عَلَى الْمَعْنَى كَمَا قَالَ:
إِذَا بَعْضُ السِّنِينَ تَعَرَّفَتْنَا ... كَفَى الْأَيْتَامَ فَقْدُ أَبِي الْيَتِيمِ
وَالسَّيَّارَةُ: جَمْعُ سَيَّارٍ، وَهُوَ الْكَثِيرُ السَّيْرِ فِي الْأَرْضِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجُبَّ كَانَ فِيهِ مَاءٌ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) .
وَقِيلَ: كَانَ فِيهِ مَاءٌ كَثِيرٌ يُغْرِقُ يُوسُفَ، فَنَشَزَ حَجَرٌ مِنْ أَسْفَلِ الْجُبِّ حَتَّى ثَبَتَ يُوسُفُ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مَاءٌ فَأَخْرَجَهُ اللَّهُ فِيهِ حَتَّى قَصَدَهُ النَّاسُ.
وَرُوِيَ: أَنَّهُمْ رَمَوْهُ بِحَبْلٍ فِي الْجُبِّ، فَتَمَاسَكَ بِيَدَيْهِ حَتَّى رَبَطُوا يَدَيْهِ وَنَزَعُوا قَمِيصَهُ وَرَمَوْهُ حِينَئِذٍ، وَهَمُّوا بَعْدُ بِرَضْخِهِ بِالْحِجَارَةِ فَمَنَعَهُمْ أَخُوهُمُ الْمُشِيرُ بِطَرْحِهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَمَفْعُولُ (فَاعِلِينَ) مَحْذُوفٌ أَيْ: فَاعِلِينَ مَا يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُكُمْ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ.