وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِتْيَانِهِ مَا آتَاهُ، نَهَاهُ.
وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ النَّهْيَ لَا يَقْتَضِي الْمُلَابَسَةَ وَلَا الْمُقَارَبَةَ عَنْ طُمُوحِ عَيْنِهِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْمَعْنَى: نَهَى أُمَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أُوتِيَ الْقُرْآنَ شَغَلَهُ النَّظَرُ فِيهِ وَامْتِثَالُ تَكَالِيفِهِ وَفَهْمُ مَعَانِيهِ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِزَهْرَةِ الدُّنْيَا.
وَمَدُّ الْعَيْنِ لِلشَّيْءِ إِنَّمَا هُوَ لِاسْتِحْسَانِهِ وَإِيثَارِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ لَا تَتَمَنَّ مَا فَضَّلْنَا بِهِ أَحَدًا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَزْوَاجًا مِنْهُمْ، أَيْ رِجَالًا مَعَ نِسَائِهِمْ، أَوْ أَمْثَالًا فِي النِّعَمِ، وَأَصْنَافًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى والمشركين، أَقْوَالٌ.
وَنَهَاهُ تَعَالَى عَنِ الْحُزْنِ عَلَيْهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وَكَانَ كَثِيرَ الشَّفَقَةِ عَلَى مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِ، وَادًّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ كُلُّهُمْ، فَكَانَ يَلْحَقُهُ الْحُزْنُ عَلَيْهِمْ. نَهَاهُ تَعَالَى عَنِ الْحُزْنِ عَمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ، وَأَمَرَهُ بِخَفْضِ جَنَاحِهِ لِمَنْ آمَنَ، وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّلَطُّفِ وَالرِّفْقِ.
وَأَصْلُهُ: أَنَّ الطَّائِرَ إِذَا ضَمَّ الْفَرْخَ إليه بسط جناحه، ثُمَّ قَبَضَهُ عَلَى فَرْخِهِ، وَالْجَنَاحَانِ مِنِ ابْنِ آدَمَ جَانِبَاهُ.