فهرس الكتاب

الصفحة 3070 من 4059

{وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ(126)}

قَالَ الضَّحَّاكُ: وَمَا تَطْعَنُ عَلَيْنَا.

وَقَالَ غَيْرُهُ: وَمَا تَكْرَهُ مِنَّا.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَا تَعِيبُ مِنَّا.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمَا تَعُدُّ عَلَيْنَا ذَنْبًا وَتُؤَاخِذُنَا بِهِ وَعَلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ يَكُونُ قَوْلُهُ (إِلَّا أَنْ آمَنَّا) فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ وَيَكُونَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُفَرَّغِ مِنَ الْمَفْعُولِ وَجَاءَ هَذَا التَّرْكِيبُ فِي القرآن كقوله (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا) (وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا)

وَهَذَا الْفِعْلُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ يَتَعَدَّى بِـ (عَلَى) تَقُولُ نَقَمْتُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْقِمُ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَعْدِيَتِهِ بِمِنْ أَنَّ الْمَعْنَى وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا أَيْ مَا تَنَالُ مِنَّا كَقَوْلِهِ (فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) أَيْ يَنَالُهُ بِمَكْرُوهٍ وَيَكُونُ فَعَلَ وَافْتَعَلَ فِيهِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَقَدَرَ وَاقْتَدَرَ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ (إِلَّا أَنْ آمَنَّا) مُفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ وَاسْتِثْنَاءً مُفَرَّغًا أَيْ مَا تَنَالُ مِنَّا وَتُعَذِّبُنَا لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا لِأَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَدُلُّ تَفْسِيرُ عَطَاءٍ.

قَالَ عَطَاءٌ: أَيْ مَا لَنَا عِنْدَكَ ذَنْبٌ تُعَذِّبُنَا عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّا آمَنَّا، وَالْآيَاتُ الْمُعْجِزَاتُ الَّتِي أَتَى بِهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ

وَفِي كَلَامِهِمْ هَذَا تَكْذِيبٌ لِفِرْعَوْنَ فِي ادِّعَائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ وَانْسِلَاخٌ مِنْهُمْ عَنِ اعْتِقَادِهِمْ ذَلِكَ فِيهِ وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ هُوَ أَصْلُ الْمَفَاخِرِ وَالْمَنَاقِبِ وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ:

وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ

وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَأَبُو حَيْوَةَ وَأَبُو الْيُسْرِ هَاشِمٌ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ (وَما تَنْقِمُ) بِفَتْحِ الْقَافِ مُضَارِعُ نَقِمَ بِكَسْرِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ وَالْأَفْصَحُ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ.

(رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ)

لَمَّا أَوْعَدَهُمْ بِالْقَطْعِ وَالصَّلْبِ سَأَلُوا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَهُمُ الصَّبْرَ عَلَى مَا يَحُلُّ بِهِمْ إِنْ حَلَّ، وَلَيْسَ فِي هَذَا السُّؤَالِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ هَذَا الْمُوعَدِ بِهِمْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا فِي قَوْلِهِ (وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحُلَّ بِهِمُ الْمَوْعُودُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَكُونَ تَوَفِّيهِمْ مِنْ جِهَتِهِ لَا بِهَذَا الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ.

وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى جُمْلَةِ (رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا) سَأَلُوا الْمَوْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَمَا أَمَرَ بِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت