فهرس الكتاب

الصفحة 1597 من 4059

{يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)}

وَالْمُرَادُ بِالْقُنُوتِ هُنَا: الْعِبَادَةُ، أَوْ: طُولُ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، أَوِ: الطَّاعَةُ، أَوِ: الْإِخْلَاصُ.

وَفِي قَوْلِهِ: (لِرَبِّكِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنْ تُفْرِدَهُ بِالْعِبَادَةِ وَتُخَصِّصَهُ بِهَا.

وَرَوَى مُجَاهِدٌ أَنَّهَا: لَمَّا خُوطِبَتْ بِهَذَا قَامَتْ حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهَا.

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: قَامَتْ حَتَّى سَالَ الدَّمُ وَالْقَيْحُ مِنْ قَدَمَيْهَا.

وَرُوِيَ: أَنَّ الطَّيْرَ كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَى رَأْسِهَا تَظُنُّهَا جَمَادًا لِسُكُونِهَا فِي طُولِ قِيَامِهَا [1] .

(وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)

أَمَرَتْهَا الْمَلَائِكَةُ بِفِعْلِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مِنْ هَيْئَاتِ

الصَّلَاةِ، فَإِنْ أُرِيدَ ظَاهِرُ الْهَيْئَاتِ فَهِيَ مَعْطُوفَةٌ بِالْوَاوِ، وَالْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ، فَلَا يُسْأَلُ لِمَ قَدَّمَ السُّجُودَ عَلَى الرُّكُوعِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ عِلْمِ الْبَيَانِ.

وَالْجَوَابُ: أَنَّ السُّجُودَ لَمَّا كَانَتِ الْهَيْئَةُ الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ فِيهَا إِلَى اللَّهِ قُدِّمَ، وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي الْفِعْلِ عَلَى الرُّكُوعِ، فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ التَّقْدِيمُ بِالشَّرَفِ.

وَقِيلَ: كَانَ السُّجُودُ مُقَدَّمًا عَلَى الرُّكُوعِ فِي شَرْعِ زَكَرِيَّا وَغَيْرِهِ مِنْهُمْ، ذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى الدِّمَشْقِيُّ.

وَقِيلَ: فِي كُلِّ الْمِلَلِ إِلَّا مِلَّةَ الْإِسْلَامِ، فَجَاءَ التَّقْدِيمُ مِنْ حَيْثُ الْوُقُوعُ فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ، فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ التَّقْدِيمُ زَمَانِيًّا مِنْ حَيْثُ الْوُقُوعُ، وَهَذَا التَّقْدِيمُ أَحَدُ الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبَيَانِيُّونَ، وَكَذَلِكَ التَّقْدِيمُ الَّذِي قَبْلَهُ.

وَتَوَارَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَادُ ظَاهِرُ الْهَيْئَاتِ.

فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمِرَتْ بِالصَّلَاةِ بِذِكْرِ الْقُنُوتِ وَالسُّجُودِ لِكَوْنِهِمَا مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا، ثُمَّ قِيلَ لَهَا وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ الْمَعْنَى: وَلْتَكُنْ صَلَاتُكِ مَعَ الْمُصَلِّينَ أَيْ فِي الْجَمَاعَةِ، أَيْ وَانْظُمِي نَفْسَكِ فِي جُمْلَةِ الْمُصَلِّينَ، وَكُونِي مَعَهُمْ وَفِي عِدَادِهِمْ، وَلَا تَكُونِي فِي عِدَادِ غَيْرِهِمْ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْقَوْلُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ مَرْيَمَ أُمِرَتْ بِفِعْلَيْنِ وَمَعْلَمَيْنِ مِنْ مَعَالِمِ الصَّلَاةِ، وَهُمَا: طُولُ الْقِيَامِ وَالسُّجُودِ، وَخُصَّا بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِمَا فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ.

وَهَذَانِ يَخْتَصَّانِ بِصَلَاتِهَا مُنْفَرِدَةً، وَإِلَّا فَمَنْ يُصَلِّي وَرَاءَ إِمَامٍ لَا يُقَالُ لَهُ: أَطِلْ قِيَامَكَ، ثُمَّ أُمِرَتْ بَعْدُ بِالصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، فَقِيلَ لَهَا: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ وَقُصِدَ هُنَا مَعْلَمٌ آخَرُ مِنْ مَعَالِمِ الصَّلَاةِ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ لَفْظٌ. وَلَمْ يَرِدْ بِالْآيَةِ السُّجُودَ وَالرُّكُوعَ الَّذِي هُوَ مُنْتَظِمٌ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَلَا ضَرُورَةَ بِنَا تُخْرِجُ اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ.

وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَوْجِيهًا آخَرَ فِي تَأْخِيرِ الرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ، فَقَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي زَمَانِهَا مَنْ كَانَ يَقُومُ وَيَسْجُدُ فِي صَلَاتِهِ وَلَا يَرْكَعُ، وَفِيهِ مَنْ يَرْكَعُ، فَأُمِرَتْ بِأَنَّ تَرْكَعَ مَعَ الرَّاكِعِينَ، وَلَا تَكُونَ مَعَ مَنْ لَا يَرْكَعُ. انْتَهَى.

فَكَأَنَّهُ قِيلَ: لَا تَقْتَصِرِي عَلَى الْقِيَامِ وَالسُّجُودِ، بَلْ أَضِيفِي إِلَى ذَلِكَ الرُّكُوعَ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ: بِاقْنُتِي: أَطِيعِي، وَبِاسْجُدِي: صَلِّي، وَمِنْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ أَيِ:

الصلوات، و: باركعي: اشْكُرِي مَعَ الشَّاكِرِينَ، وَمِنْهُ: وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ وَيُقَوِّي هَذَا الْمَعْنَى، وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ تُشَرَّعْ صَلَاةٌ إِلَّا وَالرُّكُوعُ فِيهَا مُقَدَّمٌ عَلَى السُّجُودِ، فَإِنَّ الْمُشَاهَدَ مِنْ صَلَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى خُلُوُّهَا مِنَ الرُّكُوعِ، وَيَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِالرُّكُوعِ الِانْحِنَاءُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ مِنْهُ إِلَى السُّجُودِ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الرُّكُوعِ مِمَّا غَيَّرَتْهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى من معالم شريعتهم.

و: مع، فِي قَوْلِهِ: (مَعَ الرَّاكِعِينَ) تَقْتَضِي الصُّحْبَةَ وَالِاجْتِمَاعَ فِي إِيقَاعِ الرُّكُوعِ مَعَ مَنْ يَرْكَعُ، فَتَكُونُ مَأْمُورَةً بِالصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُتَجَوَّزَ فِي: مَعَ، فَتَكُونَ لِلْمُوَافَقَةِ لِلْفِعْلِ فَقَطْ دُونَ اجْتِمَاعٍ، أَيِ: افْعَلِي كَفِعْلِهِمْ، وَإِنْ لَمْ تُوقِعِي الصَّلَاةَ مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي فِي مِحْرَابِهَا.

وَجَاءَ: مَعَ الرَّاكِعِينَ، دُونَ الرَّاكِعَاتِ لِأَنَّ هَذَا الْجَمْعَ أَعَمُّ إِذْ يَشْمَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، وَلِمُنَاسَبَةِ أَوَاخِرِ الْآيَاتِ قَبْلُ وَبَعْدُ، وَلِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالرِّجَالِ أَفْضَلُ إِنْ قُلْنَا إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.

قَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: وَلَمْ تُكْرَهْ لَهَا الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً، لِأَنَّهُمْ كَانُوا ذَوِي قَرَابَةٍ مِنْهَا وَرَحِمٍ، وَلِذَلِكَ اخْتُصُّوا فِي ضَمِّهَا وَإِمْسَاكِهَا. انْتَهَى.

[1] لا يخفى ما في هذا الوجه والوجهين قبله من بعدٍ، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت