فهرس الكتاب

الصفحة 3171 من 4059

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187) }

الضمير في (يَسْئَلُونَكَ) لِقُرَيْشٍ قَالُوا يَا مُحَمَّدُ إِنَّا قَرَابَتُكَ فَأَخْبِرْنَا بِوَقْتِ السَّاعَةِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ.

قَالَ حَسَلُ بْنُ أَبِي بَشِيرٍ وَشَمْوِيلُ بن زيد إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَأَخْبِرْنَا بِوَقْتِ السَّاعَةِ فَإِنَّا نَعْرِفُهَا فَإِنْ صَدَقْتَ آمَنَّا بِكَ فَنَزَلَتْ،

وَمُنَاسَبَتُهَا لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ التَّوْحِيدَ وَالنُّبُوَّةَ وَالْقَضَاءَ وَالْقَدَرَ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ وَأَيْضًا فَلَمَّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ (وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) وَكَانَ ذَلِكَ بَاعِثًا عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى التَّوْبَةِ أَتَى بِالسُّؤَالِ عَنِ السَّاعَةِ لِيُعْلَمَ أَنَّ وَقْتَهَا مَكْتُومٌ عَنِ الْخَلْقِ فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْمُسَارَعَةِ إِلَى التَّوْبَةِ والسَّاعَةِ الْقِيَامَةُ مَوْتُ مَنْ كَانَ حِينَئِذٍ حَيًّا وَبَعْثُ الْجَمِيعِ فَيَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّاعَةِ وَاسْمُ الْقِيَامَةِ والسَّاعَةِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْغَالِبَةِ كَالنَّجْمِ لِلثُّرَيَّا.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ أَيَّانَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالسُّلَمِيُّ بِكَسْرِهَا حَيْثُ وَقَعَتْ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا لُغَةُ قَوْمِهِ سُلَيْمٍ.

و (مُرْساها) مَصْدَرٌ أَيْ مَتَى إِرْسَاؤُهَا وَإِثْبَاتُهَا إِقْرَارُهَا وَالرُّسُوُّ ثَبَاتُ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ، وَمِنْهُ رَسَا الْجَبَلُ وَأَرْسَيْتُ السَّفِينَةَ والمرسى الْمَكَانُ الَّذِي تَرْسُو فِيهِ.

(قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ)

أَيِ اللَّهُ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهَا وَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ عَنِ السَّاعَةِ عُمُومًا ثُمَّ خُصِّصَ بِالسُّؤَالِ عَنْ وَقْتِهَا جَاءَ الْجَوَابُ عُمُومًا عَنْهَا بِقَوْلِهِ (قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي) ثُمَّ خُصِّصَتْ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ فَقِيلَ (لَا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ) وَعِلْمُ السَّاعَةِ مِنَ الْخَمْسِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا مِنَ الْغَيْبِ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ.

وَالْمَعْنَى لَا يُظْهِرُهَا وَيَكْشِفُهَا لِوَقْتِهَا الَّذِي قُدِّرَ أَنْ تَكُونَ فِيهِ إِلَّا هُوَ.

قَالُوا: وَحِكْمَةُ إِخْفَائِهَا أَنَّهُمْ يَكُونُونَ دَائِمًا عَلَى حَذَرٍ فَإِخْفَاؤُهَا أَدْعَى إِلَى الطَّاعَةِ وَأَزْجَرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ كَمَا أَخْفَى الْأَجَلَ الْخَاصَّ وَهُوَ وَقْتُ الْمَوْتِ لِذَلِكَ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هو) أي لَا تَزَالُ خَفِيَّةً وَلَا يظهر أمرها ولا يكشف خَفَاءَ عِلْمِهَا إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ إِذَا جَاءَ بِهَا فِي وَقْتِهَا بَغْتَةً لَا يُجَلِّيها بالخبر عنها، قل: مَجِيئِهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ لِاسْتِمْرَارِ الْخَفَاءِ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ إِلَى وَقْتِ وُقُوعِهَا انْتَهَى.

وَهُوَ كَلَامٌ فِيهِ تَكْثِيرٌ وَعُجْمَةٌ.

(ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ مَعْنَاهُ ثَقُلَتْ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْفُسِهَا لِتَفَطُّرِ السماوات وَتَبَدُّلِ الْأَرْضِ وَنَسْفِ الْجِبَالِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ ثَقُلَتْ لِهَيْبَتِهَا وَالْفَزَعِ مِنْهَا عَلَى أَهْلِ السماوات وَالْأَرْضِ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَى ثَقُلَتْ خَفِيَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ الْمُرْسَلِينَ مَتَى تَكُونُ وَمَا خَفِيَ أَمْرُهُ ثَقُلَ عَلَى النُّفُوسِ انْتَهَى.

وَيُعَبَّرُ بِالثِّقَلِ عَنِ الشِّدَّةِ وَالصُّعُوبَةِ كَمَا قَالَ: (ويَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) أَيْ شَدِيدًا صَعْبًا

وَأَصْلُهُ أَنْ يَتَعَدَّى بِـ (عَلَى) تَقُولُ ثَقُلَ عَلَيَّ هَذَا الْأَمْرُ.

وَقَالَ الشَّاعِرُ:

ثَقِيلٌ عَلَى الْأَعْدَاءِ

فَإِمَّا أَنْ يُدَّعَى أَنَّ (فِي) بِمَعْنَى (عَلَى) كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) أَيْ وَيُضَمَّنُ (ثَقُلَتْ) مَعْنَى يَتَعَدَّى بِفِي.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَيْ كُلٌّ مِنْ أَهْلِهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالثَّقَلَيْنِ أَهَمَّهُ شَأْنُ السَّاعَةِ وَوَدَّ أَنْ يَتَجَلَّى لَهُ عِلْمُهَا وَشَقَّ عَلَيْهِ خَفَاؤُهَا وَثَقُلَ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَتْ فِيهِمَا لِأَنَّ أَهْلَهُمَا يَتَوَقَّعُونَهَا وَيَخَافُونَ شَدَائِدَهَا وَأَهْوَالَهَا وَلِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَا يُطِيقُهَا ولا يقوم لَهَا فَهِيَ ثَقِيلَةٌ فِيهِمَا.

(لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً)

أَيْ فَجْأَةً عَلَى غَفْلَةٍ مِنْكُمْ وَعَدَمِ شُعُورٍ بِمَجِيئِهَا وهذا خطاب عَامٌّ لِكُلِّ النَّاسِ

وَفِي الْحَدِيثِ «إِنَّ السَّاعَةَ لَتَهْجُمُ وَالرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ وَالرَّجُلُ يَسْقِي مَاشِيَتَهُ وَالرَّجُلُ يَسُومُ سَائِمَتَهُ وَالرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ» .

(يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها)

[قيل] كَأَنَّكَ حَفِيٌّ بِسُؤَالِهِمْ أَيْ مُحِبٌّ لَهُ [وقيل] : كَأَنَّكَ يُعْجِبُكَ سُؤَالُهُمْ عَنْهَا وَعَنْهُ أَيْضًا كَأَنَّكَ مُجْتَهِدٌ فِي السُّؤَالِ مُبَالِغٌ فِي الْإِقْبَالِ عَلَى مَا تُسْأَلُ عَنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأَنَّكَ طَالِبٌ عِلْمَهَا.

[وقيل] مَعْنَاهُ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ بِالسُّؤَالِ عَنْها وَالِاشْتِغَالِ بِهَا حَتَّى حَصَلْتَ عَلَيْهَا أَيْ تُحِبُّهُ وَتُؤْثِرُهُ أَوْ بِمَعْنَى أَنَّكَ تَكْرَهُ السُّؤَالَ لِأَنَّهَا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ وَلَمْ يُؤْتِهِ أَحَدًا.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَيْ مُحْتَفٍ وَمُحْتَفِلٌ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأَنَّكَ عَالِمٌ بِهَا وَحَقِيقَتُهُ كَأَنَّكَ بَلِيغٌ فِي السُّؤَالِ عَنْهَا لِأَنَّ مَنْ بَالَغَ فِي السُّؤَالِ عَنِ الشَّيْءِ وَالتَّنْقِيرِ عَنْهُ اسْتَحْكَمَ عِلْمُهُ فِيهِ وَهَذَا التَّرْكِيبُ مَعْنَاهُ الْمُبَالَغَةُ وَمِنْهُ إِحْفَاءُ الشَّارِبِ وَاحْتِفَاءُ النَّعْلِ اسْتِئْصَالُهُ وَأَحْفَى فِي الْمَسْأَلَةِ أَلْحَفَ وَحَفِيَ بِفُلَانٍ وَتَحَفَّى بِهِ بَالَغَ فِي الْبِرِّ بِهِ انْتَهَى.

و (عَنْها)

إِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَسْأَلُونَكَ أَيْ يَسْأَلُونَكَ عَنْهَا وَتَكُونُ صِلَةُ حَفِيٌّ مَحْذُوفَةً وَالتَّقْدِيرُ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ بِهَا أَيْ مُعْتَنٍ بِشَأْنِهَا حَتَّى عَلِمْتَ حَقِيقَتَهَا وَوَقْتَ مَجِيئِهَا أَوْ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ، أو معتن بِأَمْرِهِمْ فَتُجِيبُهُمْ عَنْهَا لِزَعْمِهِمْ أَنَّ عِلْمَهَا عِنْدَكَ.

وَ (حَفِيٌّ) لَا يَتَعَدَّى بِـ (عَنْ) قَالَ تَعَالَى: (إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا) فَعَدَّاهُ بِالْبَاءِ وَإِمَّا أن يتعلق بحفي عَلَى جِهَةِ التَّضْمِينِ لِأَنَّ مَنْ كَانَ حَفِيًّا بِشَيْءٍ أَدْرَكَهُ وَكَشَفَ عَنْهُ فَالتَّقْدِيرُ كَأَنَّكَ كَاشِفٌ بِحَفَاوَتِكَ عَنْهَا.

وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ (عَنْ) بِمَعْنَى (الْبَاءِ) كَمَا تَكُونُ (الْبَاءُ) بِمَعْنَى (عَنْ) فِي قَوْلِهِ:

فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي

أَيْ عَنِ النِّسَاءِ.

وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ بِهَا) بِالْبَاءِ مَكَانَ (عَنْ) أَيْ عَالِمٌ بِهَا بَلِيغٌ فِي الْعِلْمِ بِهَا.

(قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ)

أَيْ عِلْمُ مَجِيئِهَا في علم الله وظرفية (عِنْدَ) مَجَازِيَّةٌ كَمَا تَقُولُ النَّحْوُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. أَيْ فِي عِلْمِهِ.

وَتَكْرِيرُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ وَلِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ زِيَادَةِ قَوْلِهِ (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها) .

(وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ بَلْ يَظُنُّ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ مِمَّا يَعْلَمُهُ الْبَشَرُ.

وَقِيلَ: لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِيَامَةَ حَقٌّ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْخَلْقِ يُنْكِرُونَ الْمَعَادَ وَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا الْآيَةَ.

وَقِيلَ: لَا يَعْلَمُونَ أي أَخْبَرْتُكَ أَنَّ وَقْتَهَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.

وَقِيلَ لَا يَعْلَمُونَ السَّبَبَ الَّذِي لِأَجْلِهِ أَخْفَيْتُ مَعْرِفَةَ وَقْتِهَا والأظهر قول الطبري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت